هذا القسم إدراكه لحقائق هذا الكون الواسع الذي خلقه اللّه تعالى ، وهو الخالق العظيم ، والصانع المجيد ، وليثبت أيضا في روع الناس أنه يؤمن بحقيقة وجود اللّه تعالى ، وأنه يدعو إلى هذا الإيمان حتى يستقر في القلوب ، وفي العقول ، فتتخلّص البشرية من عثراتها ، وتنهض من غفلتها وجهالتها . .
ولذلك اهتزّ كيان أبي طالب ، وهو الشيخ الوقور الجسور ، لسماع كلام ابن أخيه وهو يرفض كل مباهج الدنيا ، وأيقن أن كل معرفته السابقة له كانت لا تعدو معرفة جزئية ، لأنه الآن بالذات يعرف مزايا محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم الشخصية ، وصفاته الذاتية على حقيقتها ، وعلى صدقها ، ورفعة مقامها ، فكان حقا على كيانه أن يهتزّ وأن تمتلكه القشعريرة في تلك اللحظات ، التي ما أفاق من تأثيرها ، إلّا واندفع يحتضن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلى صدره ، وهو يقول له :
« امض يا ابن أخي على أمرك ، فقل ما أحببت ، فو اللّه لا أسلمك لشيء أبدا » « 1 » .
وخرج أبو طالب من عند ابن أخيه ، والإيمان بدين اللّه تعالى ، وبتصديق محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يملأ عقله وقلبه وكلّ كيانه ، فيعبّر عن ذلك قائلا :
واللّه لن يصلوا إليك بجمعهم * حتى أوسّد في التراب دفينا
فاذهب لأمرك ما عليك غضاضة * أبشر وقرّ بذاك منك عيونا
ودعوتني وعلمت أنك ناصحي * فلقد صدقت وكنت قبل أمينا
وعرضت دينا قد عرفت بأنّه * من خير أديان البريّة دينا
هامش
( 1 ) السيرة النبوية لابن هشام ، المصدر السابق .