وانهالت السخرية على عقبة بن أبي معيط من كل جانب ، حتى قام مندفعا كالمجنون يريد عبد اللّه ، فلحقه أمية بن أبي خلف وهو يدعو كل من يصادفه في طريقه أن يتبعهما حتى وصلوا إلى عبد اللّه ، فانهالوا عليه بالضرب الموجع ، وبالأذى والشتائم ، وهو بين أيديهم يتمايل من الضرب واللكم دون أن يترك ذكر اللّه - عز وجل - بل ظلّ مستمرا في ترديده :
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ . *
ووقع عبد اللّه بن مسعود مغشيا عليه ، فتناول عقبة بن أبي معيط حجرا كبيرا ليهوي به على رأسه ، لولا أن أمسكه أمية بن خلف قائلا :
- ويحك يا رجل ! أتريد أن تدنّس يديك بقتل راع للغنم نتن الرائحة . دع عنك الأمر إنه ميت .
وذهب الكفار وفي ظنهم أنه فعلا قد مات ، أو على وشك الموت . . فجاء بعض فتيان المسلمين يحملون أخاهم الشجاع ، الصابر ، ويدخلونه إلى دار الأرقم حيث كان النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ما يزال بانتظاره مع الصحابة . .
وسارعوا في إسعاف الجريح ، والدم ينزف من فمه وأنفه ، وهم يقولون : حسبنا اللّه ونعم الوكيل . هذا ما كنا نخشاه على أخينا عبد اللّه .
ولمّا أفاق واستعاد وعيه ، كانت أول بادرة منه بحثه بناظريه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فرآه فوق رأسه ، يتطلّع إليه والابتسامة تعلو ثغره ، رحمة ومؤاساة ، فأحسّ بقواه تعود إليه ، فنهض وهو يقول للرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم :
- واللّه يا رسول اللّه ما رأيت أعداء اللّه أهون عليّ منهم اليوم . ولو أجزتني لآتينّهم غدا بمثلها .