وأبدى كل من الصحابة كامل الاستعداد لقراءة القرآن جهرا وعلانية على ملأ قريش ، وعلى أهل مكة في وضح النهار حيث يحظى القارئ بهذا الشرف الرفيع . وأبى عبد اللّه بن مسعود إلّا أن يكون هو البادىء ، وأن ينال المكرمة الإلهية التي يعدهم بها الرسول العظيم ، وليس ذلك بسبب أنانية وأثرة عبد اللّه ، بل طمعا في نيل رضوان اللّه تعالى ، وخوفا على هؤلاء الإخوة من أذى قريش . .
ولم يوافق إخوته المسلمون على أن يعرّض عبد اللّه حياته للخطر ، فإنّ فيهم من له عشيرة تحميه وتمنعه من القوم . فإن قام قرشي يجاهر بالقرآن ، فلن يتعرّض لما يتعرض له عبد اللّه .
لقد كانوا صادقين فيما أبدوه مما دفع عبد اللّه بن مسعود لأن يبكي ، ويلحّ على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أن يأذن له هو بالقراءة ، دون أحد غيره من إخوته المسلمين . فقد أراد أن يكون هو الضحية والفداء ، وأن يبعد عن الدعوة حربا قبلية قد تتذرع بها قريش أو غيرها من قبائل مكة . فوافق النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم على رأيه ، وأذن له بالذهاب وقت الظهيرة إلى جوار البيت الحرام ليقرأ القرآن على الناس ، وأمام سمعهم وبصرهم . .
وهنالك على مقربة من الكعبة الشريفة ، ارتفع صوت عبد اللّه بن مسعود على مرتفع من الأرض ، وهو يقرأ قول اللّه تعالى :
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
الرَّحْمنُ ( 1 ) عَلَّمَ الْقُرْآنَ ( 2 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ ( 3 ) عَلَّمَهُ الْبَيانَ ( 4 ) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ ( 5 ) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ ( 6 ) وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ ( 7 ) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ ( 8 ) وَأَقِيمُوا