والنفوس تهوي إليه ، أو قد يلحق بقطيع الماشية والرعاة يتنسّمون ريحه ، فإذا جاع أمسكوا له بالشاة يرتوي من حليبها ، وإن تعب أناخوا له الجمل يعتلي ظهره .
وكان يعيش حياته ، مثل أي طفل عربي فرض عليه وجوده أن يكون في جوف الصحراء ، تحميه الرمال من كسور الجسم إن وقع ، ويلفح وجهه هجيرها إن سرح ، فينشأ صلبا ، قويا ، متين البنية والأعصاب ، لأن قساوة الطبيعة تصهر معدن الرجال ، وتغرس في نفوسهم قوة الاحتمال ، والصبر ، والتمرّس .
أجل ، لقد عاش محمد تلك الطفولة العربية بكل محاسنها وقساوتها ، فعرف المرح ، وجرّب الرعي ، واعتاد اللسان العربي الفصيح حتى بلغ الخامسة من عمره ، فعادت به حليمة - على كره منها - إلى أمه وجدّه ، ليتابع مسيرة حياته التي خطّها اللّه تعالى له في عليائه .
وقد تركت السنوات الخمس التي عاشها في البادية أعمق الأثر في نفسه فكان يقول من بعد لأصحابه : « أنا أعربكم ، أنا قرشي واسترضعت في بني سعد بن بكر » « 1 » .
عاد محمد إلى أمه فقامت على تربيته بما تأصل في نفسها من صفات كريمة في بيت أهلها ، وبما يتناسب مع أخلاق بني هاشم في مقامهم وسيادتهم في القوم ، وهي تنمّي فيه حب الناس عامة وحب الأقربين من الأهل خاصة ، ولذلك قررت بعد بضعة شهور أن تأخذه إلى يثرب ، ليعرف أخواله من بني النّجار ، ويزور قبر أبيه . . بحيث يتاح لها ،
هامش
( 1 ) السيرة النبوية لابن هشام ، م 1 ، ص 176 ؛ وحياة محمد ، المصدر السابق ، ص 110 .