رضاك وقبولك لأعود به ، وأنا أقسم على بذل قصارى جهدي ليكون بيننا سيدا حبيبا ، مصانا من اللّه .
وتوقن آمنة بصدق هذه المرأة وصواب رأيها ، فهي قد صبرت على عواطفها ، وتجالدت على الأيام لأجل طفلها ، فهل بوسعها بعد أن تتحمل بعاده عنها ؟ . . إنها الآن واقعة في الحيرة والحرج ، فلا تدري هل ترجّح كفة عواطفها فترفض طلب حليمة ، أم تغلّب مشاعر الإنسانية ، فتحقق لهذه المرضعة أمانيها ؟ ! إن الموازنة دقيقة وحرجة :
فإما عواطف الأم لذاتها ، وإما مشاعرها حيال غيرها ، وكلا الأمرين له معانيه السامية عند أم محمد . ثم ما رأي جده ، وله الحق في الكلمة الفصل ؟ ! . .
وتظل آمنة على تلك الحال ، وهي تغوص في أعماق نفسها تفتش عن الحلّ . . إن أي قرار تتخذه سوف يجلب لها الضيق ، والألم . فإن هي حبست الوليد عن حليمة فلن تذوق طعما للنوم أو الراحة لأنها تكون قد ضربت بمصلحة هذه المرأة عرض الحائط ، وإن دفعته إليها فيا لمأساتها في وحدتها ! . . وفي غمرة ذلك الصراع تسمو آمنة على كل أنانية ، وتغلّب مشاعر الإنسانية فتقرر إعادة وليدها إلى المرضعة ، لتسجل على صفحات التاريخ أعظم موقف لأعظم امرأة في مكة . أجل إنه انتصار لآمنة فيه المجد والرفعة وهي تقيم الاعتبار الأوحد لإنسانية الإنسان في تضحيته تجاه الآخرين . . ولا تصدق حليمة وهي ترى آمنة ترنو إليها بعين العطف ، مستجيبة لندائها .
إنها النفوس الكبيرة التي تصغر لديها العظائم . ولن يكون بعيدا ذلك اليوم الذي ستظهر فيه آمنة بنت وهب أنها كانت أعظم إنسانة عندما
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 164
مساهمون: سميح عاطف الزين
ص١٦٤