فهذه المساءة الّتي هي اسّ الشرور ، ورأس العيوب ، ومادة الادواء الروحية ، إنّما تنشأ عن الغرور ، والجهل ، والنسيان ، يعالجها ذكر العبودية ، والتوجه إلى المولى سبحانه وتعالى بالطاعة ، ويصلح القلب منها بالتأمل في انّ الخلق عبيد يريبهم ربّ العالمين ، ولهم في الدنيا آجال مقدّرة تحصد بها الآمال ، وينقطع بها بغية كل طالب ، وتنفصل عرى كل غاية متوّخاة ، ووراءهم يوم مشهود ، يدان به الخلايق ، يريهم ربّهم أعمالهم حسرات عليهم ، والخلق كلهم في قبضته في العاجل والآجل فبذكر المولى سبحانه ، والايمان بربوبيته وتصديق العبودية ، والاذعان بيوم الدين ، والاعتقاد بالملوكية المطلقة ، والقيوميّة الأبديّة ، المستفاد كلها من الفاتحة الشريفة . وانتظار يوم الحساب تملأ الصدور هول المطّلع وتقشعر به القلوب ، وتكون وجلة مشغولة عن كلّ أمل ، كما انّ طول الأمل وتعلّق القلب به يكشف عن الجهل بالمعارف المذكورة ، والغفلة عن المعاني المبثوثة في الفاتحة الشريفة من الاعتقادات المعزى إليها .
وإليه أشار أمير المؤمنين عليه السّلام بقوله : « ولولا الأمل علم الانسان حسب ما هو فيه ، ولو علم حسب ما هو فيه مات « خفاتا » من الهول والوجل » « 1 » .
وبذلك كلّه يعلم ، وجه تسمية هذه السورة الشريفة بالشفاء ، والكافية والأساس ، كما ورد عن ابن عباس : « إنّ لكل شيء أساس ( إلى أن قال ) وأساس القرآن الفاتحة ، وأساس الفاتحة
« بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ »
« 2 » فإنها كما سمعت شفاء من كل داء جسمي وروحي ، ولأنها تكفي عما
هامش
( 1 ) سفينة البحار ج 1 : 30 .
( 2 ) مجمع البيان ج 1 : 17 .