والشّهر الذي بدأته به وهو من الاتفاقات الغريبة ، والشّكر للّه أولا وآخرا .
ربنا تقبل منا ما قدمناه من العمل ، ولا تؤاخذنا على ما وقع منا من الزلل ، واغفر لنا ما هفى به الرّأي أو زلّ به القلم وأخطأ به الفكر ، وانفع عبادك به كما وفقتنا إليه ، واجعله خالصا لوجهك الكريم ، وبوّئنا بكرمك وجودك جنّات النعيم ، واغفر لنا ولوالدينا وأحسن إليهما وإلينا ، ومتعنا اللّهم بالعافية في هذه الدّنيا ما أحييتنا ، والعفو بالآخرة عما سلف منا ، ووفقنا دائما لما تحبه وترضاه في القول والعمل والنّية ، واحشرنا في زمرة سيدنا سيد البرية ، سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وعلى آله بكرة وعشية . ثم أقول تحدثا بنعمة اللّه لا فخرا ولا ضجرا يأني قد قاسيت في جمع هذا السّفر الكريم والكتاب الجليل العظيم أتعابا جمة ومشاق مهمة ، ولكن بفضله ومنّه قد استعذبت كلّ مرارة وجدتها خلال تحريره ، وكلّ شدة قاومتها إبان تسطيره ، ويرحم اللّه ابن الفارض إذ يقول :
وتعذيبكم عذب لديّ وجوركم * عليّ بما يقضي الهوى سهل
لأني وأيم اللّه كنت كثيرا ما أتوضأ في الوقت الواحد خمس مرات لطرو الانطلاق ، لأني آليت على نفسي أن لا أخط خطا منه إلّا على وضوء كامل ، وبعد صلاة ركعتين على الأقل ، وكثيرا ما كنت أنام والقلم بيدي ، وكم مرّة تمت مهموما لعدم وقوفي على المعنى المراد من بعض الآيات والأحاديث ، فأراه بفضل اللّه في منامي ، وأفيق فرحا مسرورا بما منّ اللّه عليّ ، فأقوم فأتوضا وأراجعه فأجده مسطورا في بعض التفاسير وشروح الأحاديث كما رأيته ، فأثبته حالا بمحله ، هذه حالتي في اللّيل ، وأما في النّهار فكثيرا ما يؤتى لي صباحا بالشاي فأغفل عنه فيبدل لي المرة بعد الأخرى فأشربه باردا ، وكذلك حالتي في الشّراب والطّعام ، وذلك لأني أخاف الذهول عن بعض ما تصورته ، أو نسيان ما تخيّلته من المعاني المتعلقة بتأويل بعض الألفاظ ، أو غياب ما وقر في قلبي مما أريده من التفسير ، أو ما أريد تحريره على آية مضى البحث فيها ، أو مراجعة بعض الآيات التي مرّ تفسيرها لتعلقها في معنى البحث الذي أنا فيه ، وإبقاء الملاحظة عليها فيما حضر من المعنى الذي يناسبها حتى لا أترك آية لها مساس بمثلها إلّا أشرت إليها وبيّنات عددها