تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 519

مساهمون:

ص٥١٩
وروي أنها لما نزلت خطب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال إن عبدا خيّره اللّه بين الدّنيا وبين لقائه فاختار لقاء اللّه ، فعلم أبو بكر رضي اللّه عنه فقال فديناك بأنفسنا وأموالنا وآبائنا وأولادنا . وعنه عليه السّلام أنه دعا فاطمة رضي اللّه عنها فقال يا بنتاه نعيت إليّ نفسي ، فبكت فقال لا تبكي فإنك أول أهلي لحوقا بي فضحكت . وتسمى هذه السّورة سورة التوديع لأنها نزلت في حجة الوداع وآذنت بوداع المنزل عليه ووداع الوحي المقدس إذ لم ينزل بعدها سوى الآيتين المذكورتين آنفا . روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي اللّه عنها قالت ما صلّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم صلاة بعد أن نزلت إذا جاء إلخ إلّا ويقول فيها سبحانك ربنا وبحمدك اللّهم اغفر لي . وقال ابن عباس لما نزلت هذه السّورة علم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنه نعيت إليه نفسه ، أي قبل أن يبكي ويقول ما قال ، ولهذا سأله عن سبب بكائه عندما تلاها صلّى اللّه عليه وسلم . وقال الحسن علم أنه قد اقترب أجله ، فأمر بالتسبيح والقربة ليختم بالزيادة من العمل الصّالح أجله ، وإنما أمر بالتسبيح ليشتغل في أمور الآخرة ويصرف نفسه إليها ، لأن اللّه تعالى كفاه مئونة الدّنيا والحرب والقتال ، لأن النّاس انهالوا على الإسلام فدخلوا فيه زرافات ووحدانا متسابقين عليه بدعوة عامة من اللّه تعالى لا تحتاج لترغيب ولا ترهيب وقد تعبده ربه بالاستغفار ليقتدي به النّاس وليعلموا أن حضرة الرّسول مع عصمته وشدة اجتهاده على عبادة ربه وإخباره بأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، أول سورة الفتح المارة ما كان يستغني عن الاستغفار فكيف بمن هو دونه . واعلم أنه عليه الصّلاة والسّلام إنما كان يستغفر ربه عن ترك الأفضل وما هو خلاف الأولى لا لذنب صدر منه يشابه ذنوبنا حاشاه من ذلك وقد بينا ما يتعلق بهذا أول سورة الفتح المارة فراجعها هذا وما ذكره بعض المفسرين بأن المراد بهذا الفتح بهذه السّورة فتح مكة قد فنّدناه هناك أيضا وإنما هو الفتح العام لحضرة الرّسول ومن بعده من أصحابه وأتباعه كما أشرنا إليه أيضا في سورة الفتح ، وهذه السّورة سورة النّصر إنما تشير لهذا ولإتمام مهمّة الرسول من البعثة التي شرّفه اللّه بها وإلى دعوته لحظيرة القدس لتتغذّى روحه الطاهرة في جنّات خصصت لها وإلى انتهاء مدة مكثه في الأرض قال :
إذا تم أمر بدا نقصه * توقع زوالا إذا قيل تم