المارة في ج 2 ، لأن المراد بالكلام الذي يتميز به الإنسان عن سائر الحيوانات إخبار الغير عمّا لا يعلم ، فإذا كان الخبر غير مطابق لم تحصل فائدة النّطق ، وقد حصل منه اعتقاد غير مطابق ، وذلك من خواص الشّيطان ، فالكاذب إذا شيطان ، وكما أن الكذب من أقبح الرّذائل فالصدق من أحسن الفضائل وأحلى كلّ حسنة ، ومادة كلّ خصلة محمودة ، وملاك كلّ خير وسعادة ، وعنصر الرّضاء ، وبه يحصل كل كمال وأصل الصّدق الصّدق في عهد اللّه تعالى الذي هو نتيجة الوفاء بميثاق العظمة .
قال تعالى
( رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ )
الآية 24 من سورة الأحزاب المارة ، أي في عقد العزيمة ووعد الخليفة . قال تعالى
( إِنَّهُ )
أي إسماعيل عليه السلام
( كانَ صادِقَ الْوَعْدِ )
الآية 55 من سورة مريم المارة في ج 1 ، فإذا روعي الصّدق في المواطن كلها حتى الخاطر والفكر والنيّة والقول والعمل أدّى ذلك إلى اتصافه بالصدق الخالص ، حتى أن مناماته . ووارداته على قلبه تصدق بإذن اللّه تعالى . روي عن ابن مسعود رضي اللّه عنه أنه قال : عليكم بالصدق فإنه يقرب إلى البر والبر يقرب إلى الجنّة ، وإن العبد ليصدق فيكتب عند اللّه صديقا ، وإياكم والكذب فإن الكذب يقرب إلى الفجور والفجور يقرب إلى النّار ، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند اللّه كذّابا . وانظر ما قال تعالى حكاية عن إبليس
( فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ، إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ )
الآية 84 من سورة ص في ج 1 فإنه إنما ذكر الاستثناء لئلا يكذب ، لأنه لو لم يذكره لصار كاذبا في ادّعاء إغواء الكل ، فكأنه استنكف عن الكذب ليكون صادقا في حلفه .
فإذا كان إبليس يستنكف عن الكذب ، فالمسلم من باب أولى أن يستنكف عنه .
وتدل هذه الآية الجليلة على أن إجماع المسلمين يجب الخضوع له ، لأن اللّه تعالى أمر عباده المؤمنين بالكون معهم ، لأن ملازمة الصّادقين تؤثر في من يلازمهم فيكتسب منهم الصّدق وما يتشعب منه كالنصح والإخلاص والأمانة والأخلاق الفاضلة والآداب الحسنة ، لأن المجالسة تفيد اكتساب ما هو الأحسن عند المجالس ، ولهذا أمر صلّى اللّه عليه وسلم مجالسة العلماء ، والقصد من الرّابطة عند السّادة الصّوفية هي تعلق الرّابط بأحوال وصفات المرابط والمحبة له والكون معه ، لأن الكون مع الصّادق له تأثير