تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 468

مساهمون:

ص٤٦٨
وإنما فعل هذا حضرة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم مع هذا وهو راس المنافقين ، مع علمه أنه مات على نفاقه تطييبا لخاطر ابنه عبد اللّه لشدة إخلاصه وصلاحه وصدقه ومحبته لحضرة الرّسول ينبيك عن هذا ما نوهنا به في الآية 8 من سورة المنافقين المارة مما قاله لابنه وما ذكره بحضرة الرّسول ، ولذلك قال حضرة الرّسول على قبره وصلّى عليه قبل النّهي ، وهذا من بعض محاسن أخلاقه صلّى اللّه عليه وسلم ، ولما رأى المنافقون وقوم عبد اللّه بن سلول ما قام به صلّى اللّه عليه وسلم من مقابلة إساءة عبد اللّه لحضرته بالإحسان حال حياته ، وبالإحسان بعد وفاته أسلم كثير منهم ، وإنما كساه ثوبه بعد موته لأنه كان حينما جيء بالعباس أسيرا يوم بدر كساه عبد اللّه ثوبه ، وقد حفظ له معروفه ذلك وهو أهل المعروف وأولى ممن يقابل السّيئة بالحسنة . هذا وان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم زار قبر أمه عام الحديبية قبل النّهي لما لها من حق الأمومة ، وذلك قبل نزول هذه الآية ، لأنها نزلت بعد غزوة تبوك ، فلا يرد عليه مقال ، ومن قال أن زيارته لها بعد النّهي أي بعد نزول هذه الآية فقد أخطأ ، لأن التاريخ يكذبه ، على أنها رحمها اللّه من أهل الفترة ، وأباه كذلك ، والقول الصّحيح أن أهل الفترة غير مؤاخذين ، راجع الآية 15 من سورة الإسراء في ج 1 . ولا مانع يمنع من زيارة قبور الكفار ، لأن القصد من الزيارة التذكر بالآخرة ، قال صلّى اللّه عليه وسلم كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكركم الآخرة . ومن جعل العلّة في الزيارة الدّعاء لهم لا مستند له ، لأن الدّعاء يكون في كلّ مكان على أنه لو فرض صحة ذلك فإن العلة لا تدور مع المعلول ، لأن الخمر حرمت لعلة الإسكار ، فهل يقال بإباحتها لمن لم يسكر بسبب إدمانه عليها أو لأمر آخر ، وقد حرم الزنى لعلة اختلاط الأنساب فهل يباح لعقيم أو عجوز لا يتصور منهما ذلك ، وحرم القمار لعلة أخذ أموال النّاس بغير حق ، فهل يباح اللّعب به إذا لم يتحقق أخذ المال بغير حق ، لأن المقامر قد يربح وقد يخسر ، وقد لا يربح ولا يخسر ، وهكذا في سائر المحرمات ، فإنه لا يجوز قربها ولو لم تحقق العلة ، ولهذا فإن عدم الدّعاء للأموات لا يمنع من زيارة قبورهم تأمل قوله صلّى اللّه عليه وسلم تذكركم الآخرة لأن فيها عبرة وعظة حصل الدّعاء أم لم يحصل . قال تعالى
« وَلا تُعْجِبْكَ
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 468 | السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني