تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤
أيها النّاس لما أنزل اللّه الآية السّالفة
( لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ )
إلخ وكانت مما يستطاب عندهم قبل الإسلام وعند من لم ينكف عنها بعد نزول الآيات الثلاث المتقدم ذكرها والتي سنشير إليها بعد ، ولم ينكفوا عن الميسر أيضا لشدة توغلهم فيهما وإن بعض صغار العقول لم ينتبهوا إلى مغزاها الذي أشرنا إليه في الآية 219 من سورة البقرة ، بين اللّه تعالى في هذه الآية الأخيرة الرّابعة الحاسمة لما في هذا الباب أنهما ليستا من الطّيبات بل من الخبائث الموبقات ، ولذلك قال تعالى
( إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ )
لأن السّكر يفحش كلام الرّجل فيفضي إلى النّزاع ويولد العداوة والبغضاء ، وكذلك المقامر قد يؤدي قماره إلى أن يلعب على أثاث بيته وملكه بل وداره التي يسكن فيها ، حتى يتوصل إلى أن يلعب على بنته وزوجته بعد فراغ ذات يده ، ونفاد ملكه ، بل قد يفضي إلى الانتحار فينتج عنه العداوة والبغضاء والخزي والعار أيضا ، فأراد اللّه تعالى أن يحفظ عباده من هاتين الشّانئتين فحرمهما عليهم كما أراد صون الألوهية عن الإشراك بها ، وأراد صرف عباده إلى التوكل عليه في أمورهم كلها ، فحرم عليهم الأنصاب والأزلام المتقدم ماهيتها في الآية السّابقة من هذه السّورة . وكان عمر رضي اللّه عنه يقول اللّهم بين لنا في الخمر والميسر بيانا شافيا ، كما جاء في الحديث الذي رواه ميسرة عنه ، وأخرجه الترمذي من طريقين ، وقال رواية ميسرة هذه أصح ، وأخرجه أبو داود والنّسائي بأبسط منه وإنما قال ما قال رضي اللّه عنه وأرضاه لما يرى ما يتولد عنهما من القبائح ، وكرر مقالته هذه بعد نزول الآيات الثلاث الأولى 67 من سورة النّحل المارة في ج 2 والثانية من سورة البقرة الآية 219 والثالثة 43 من سورة النّساء المارتين وكانت أحكام اللّه تعالى جارية على التدريج في تشريعه لعباده ، راجع بحثه في المقدمة ج 1 في التدريج بالأحكام فأنزل اللّه هذه الآية الرّابعة القاطعة بالتحريم فلما سمعها عمر رضي اللّه عنه قال : انتهينا انتهينا . وروى مصعب بن سعد عن أبيه قال صنع رجل من الأنصار طعاما فدعانا وشربنا ، وذلك قبل التحريم زاد حتى انتشينا ، فتفاخرت الأنصار وقريش فقالت الأنصار نحن أفضل منكم فقال سعد بن أبي وقاص المهاجرون خير منكم