عليه الصلاة والسلام ، لأنه محال عليه أن يميل إلى أهوائهم ، فراجعها ففيها ما يلذ السمع ويهج القلب .
قال تعالى
« الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ »
التوراة منهم
« يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ »
دون تحريف أو تبديل في معانيه أو مبانيه ، وينقلونه للناس كذلك
« أُولئِكَ »
الذين هذه صفتهم
« يُؤْمِنُونَ بِهِ »
حق إيمانه ويقودهم إيمانهم بكتابهم إلى الإيمان بك وبكتابك ، لأن من جملة ما يؤمنون به في كتابهم نبوتك وكتابك . وفي هذه الآية إشارة إلى أن منهم من يؤمن كعبد اللّه بن سلام وأصحابه ، أما المحرفون الجاحدون فهم المخصوصون بقوله تعالى
« وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ »
فيسيء تلاوته ويغير كلمه وينقلونه على غير ما هو عليه بحسب أهوائهم ويغرون الناس بذلك
« فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ 121 »
في الدارين ، أما الدنيا فقد خسروها وزال عنهم نعيمها بالموت مهما كان نعيمهم وطال أجلهم ، لأن مصيرها الفناء ، وأما الآخرة فلم يعملوا لها شيئا يؤهلهم لنيل نعيمها الدائم ، وذلك هو الخسران المبين . قال تعالى
« يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ 122 »
تقدم تفسيرها في نظيرتها الآيتين 40 / 47 المارتين وكررت تأكيدا وتذكيرا لنعمه المتكررة عليهم
« وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ 123 »
وما في هذه الآية بالنسبة للآيتين المارتين مثلهما إلا نوع تفنن في التعبير من نظم العليم الخبير ، ولا يقال إن المعنى فيها واحد من حيث الاستفادة ، بل فيها زيادة التذكير في المحافظة على وصايا الإله القدير ولزوم التقوى في كل حال والتيقظ ليوم القيامة والخشية مما يقع فيه من الأهوال ، والتيقن بأن الإنسان لا ينفعه إلا عمله الحسن . وأعلم أن مجيئها بعد الآية المتقدمة إيذان بتخويف المبدلين لكلام اللّه ، وترهيب من نزول العذاب فيهم لعلهم يرجعون عن باطلهم ، وأنى لهم أن يرجعوا وقد أعماهم حب الرئاسة عن اتباع الحق ، وأوردتهم أنفتهم إلى الهوان :
وإذا كانت النفوس كبارا * تعبت في مرادها الأجسام
ت ( 6 )