تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
حق الغير واللّه يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه ، وحقوق اللّه مبنية على التسامح ، وحقوق خلقه مبنية على التشاحح ، وهذا ما اتفق عليه الأئمة من الحكم الشرعي في هذه الأشياء . ومما جاء من الأدلة على هذه المستثنيات ما قاله ابن أبي أوفى : غزونا مع رسول صلّى اللّه عليه وسلم سبع غزوات أو ستا ، وكنا نأكل الجراد ونحن معه ، وقد سأل الرسول جماعة من ركاب البحر فقال لهم هو الطهور ماؤه ، الحل ميتته . وروى الدارقطني عن عبد الرحمن بن زيد بن الحم عن أبيه عن ابن عمر أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : أحل لنا من الدم دمان ومن الميتة ميتتان الحوت والجراد والكبد والطحال . واتفقت الأئمة على حل الدم الذي بين اللحم والعروق ، وقال صلّى اللّه عليه وسلم : إذا سمعتم النصارى واليهود يهلّون لغير اللّه فلا تأكلوا ، وإذا لم تسمعوهم فكلوا فإن اللّه قد أحل ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون ، واتفقت على حل ذبائح أهل الكتاب الأئمة ، فلا عبرة بمن خالف إجماعهم . قال تعالى
« إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ »
ولا يبينونه للناس
« وَيَشْتَرُونَ بِهِ »
أي الكتمان
« ثَمَناً قَلِيلًا »
من حطام الدنيا ليتمتعوا به للمحافظة على مناصبهم
« أُولئِكَ »
الذين هذا شأنهم ، وقد تقدم بأن المراد بهم علماء اليهود وأحبارهم
« ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ »
، لأن الرشوة تؤدي إليها إذا كانت في ضياع حقوق الناس فلئن تكون موصلة إليها ، ومدخلة فيها إذا كانت في ضياع حقوق اللّه ورسله من باب أولى ،
« وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ »
لاشتداد غضبه عليهم ، أما السؤال فيتولاه ملائكته ، وقيل لا يكلمهم كلاما يسرّون به ، بل بما يوبخهم ويقرعهم ، وهو خلاف الظاهر
« وَلا يُزَكِّيهِمْ »
من دنس الذنوب ودرن العيوب
« وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ 174 »
جزاء جرأتهم تلك
« أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ »
أي بطوعهم واختيارهم
« فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ 175 »
أي شيء صبّرهم عليها ، وهي لا يصبر عليها أحد برضائه ، وإذا كان كذلك فلم يجرءون على عمل يؤدي إليها والصبر على عذابها ؟ وهذا الاستفهام للتوبيخ والتعجب من اتباعهم الباطل وتركهم الحق من غير مبالات منهم بما يترتب عليهم من العقاب ، فكانت ملابستهم هذه