الجاهلية ، فتشربه أو تجمده لتأكله ، لأن المفصول من الحي كالميتة ، اما الذي يبقى في العروق واللحم والقلب بعد الذبح فجائز أكله ، لأنه غير جار ، وكذلك الكبد والطحال لأنهما متجمدان خلقه ، فضلا عن استثنائهما بالحديث كما سيأتي في آية المائدة إن شاء اللّه بصورة واضحة
« وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ »
المعروف ، وحرمة هذه الأشياء الثلاثة لأمر طبي علمه تعالى قبل أن يطلع البشر عليه ، وقد أظهر أخيرا بعض الأطباء الحاذقين بعض ما فيها من الضرر للإنسان وسيظهر الباقي إن شاء اللّه ، لأن الكون لم يكمل بعد ولو كمل لخرب ، إذ ما بعد التمام إلا النقصان ، راجع الآية 25 من سورة يونس ج 2 ، وقد يكون هذا التحريم لأمر آخر في علم اللّه ليس لنا أن نسأل عن علته ، لأن أفعال اللّه لا تعلل ، وسواء كان التحريم من اللّه أو من حضرة الرسول فهو على حد سواء ، قال تعالى
( ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا )
الآية 8 من سورة الحشر الآتية
« وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ »
بأن ذبح للصنم أو على اسمه ، وحرمة هذا والمعنى الآخر في حرمة الثلاث الأول تعبدي تعبدنا الشارع به فما علينا إلا الامتثال والاعتقاد بأنه تعالى لم يحرم علينا شيئا إلا لمنفعتنا ، لأنه أحل لنا خيرا منها ، وليست هذه المحرمات بعزيزة عليه بل هي خبيثة أراد تعالى تطهرنا منها إلا عند الضرورة لحفظ قوام هذا الوجود ، فقد أباح لنا تناول ما يسد الرمق منها ، لأن الضرورات تبيح المحظورات ، هذا قال تعالى
« فَمَنِ اضْطُرَّ »
في غير حالتين الأولى أن يكون
« غَيْرَ باغٍ »
هو الذي يجد غير هذه المحرمات فيعدل عنها إليها شهوة وتلذذا ، الثانية بينها بقوله
« وَلا عادٍ »
متعد بأكله منها زيادة على قدر الحاجة لسد الرمق أو يتزود منه لأن الضرورة تقدر بقدرها
« فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ »
إذا أخذ بقدر ما يسد رمقه عند عدم شيء من الحلال فهو مسموح له فيه
« إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ »
للمضطرين
« رَحِيمٌ 173 »
بهم إذا لم يبغوا أو يعتدوا ، وإنما عبر عن الرخصة بالمغفرة إيماء إلى لزوم التحري في ذلك ، بحيث لا يأكل إلا بعد تحقق الضرورة ، وبعد التحقق يأكل بقدرها كما مرّ ، وهذا من الرخص التي من اللّه بها على عباده ، ولا يجوز للمؤمن تركها تأثما والأخذ بالعزيمة ، لأنها من حقه الخالص ، بخلاف الزنى والقتل لما فيهما من