تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 11

مساهمون:

ص١١
أسد من عمى العين لأن فاقد البصر ينتفع ببصيرته ، وعادم البصيرة لا يفيده بصره
« أُولئِكَ »
الموصوفون بالمثالب الأربع المذكورة هم
« الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى »
واستبدلوا الكفر بالإيمان والحيرة بالرشد والغش بالنصح
« فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ »
بل خسرت وخابت صفقتهم خسرانا وخيبة عظيمتين ، فضلوا
« وَما كانُوا مُهْتَدِينَ 16 »
في أقوالهم وأفعالهم ، لأنهم أضاعوا رأس ما لهم وهو الإيمان ، ومن أضاع رأس ماله فهو للربح أضيع . ولا يقال إنهم لم يكونوا على هدى لأنهم كانوا متمكنين منه ، كأنه في أيديهم ، لكنهم رغبوا عنه وتركوه باختيارهم ، ومالوا إلى الضلال رغبة فيه ، وفعلوه طوعا ، ومالوا إليه ، فكأنهم عطلوه قصدا واستبدلوا به ضدّه ، ولهذا وصفهم اللّه تعالى بقوله
« مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً »
لينتفع بها
« فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ »
جمع الضمير مع أن ما قبله مفرد على حد قوله تعالى
( وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا )
الآية 69 من سورة التوبة الآتية ، إذ يجوز وضع الذي موضع الذين
« وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ »
متكاثفة ظلمة الليل وظلمة المطر وظلمة السحاب ، لأن من كان في نور وتركه أو أو كان في محل مضيء وخرج منه إلى مظلم اشتدت الظلمة في عينيه أكثر مما لو لم يكن قبل في النور ، ولهذا قال تعالى
« لا يُبْصِرُونَ 17 »
شيئا لما يجهلونه من الظلمة بعد ذلك النور ، فيصيرون لا يرون .

مطلب في المثل لما ذا يضرب وما هو الرعد والبرق وضمير مثله :

والمثل تشبيه الشيء الخفي بالشيء الجلي لمناسبة وجامع ، ليتأكد الوقوف على ماهية ذلك المشبه نهاية في الإيضاح ، وشرطه أن يكون فيه غرابة من بعض الوجوه وقد ضرب اللّه تعالى هذا المثل بالنار لثلاث حكم : الأولى أن المستضيء بالنار مستضيء بنور غيره ، فإذا ذهب بقي هو في الظلمة ، وكذلك هؤلاء لأنهم لما أقروا بالإيمان من غير اعتقاد في قلوبهم كان إيمانهم مستعار فلم ينتفعوا به ، لأن العارية مستردة . الثانية احتياج النار دائما إلى مادة الوقود ، فإذا انقطع طفئت ، وكذلك الإيمان محتاج أبدا إلى مادة الاعتقاد والعمل ليدوم ، وإلا فينقطع ولم تبق فائدة فيه الثالثة احداث الظلمة بعد النور أشد من الظلمة التي لم يسبقها نور ، ووجه