لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة ، فقال أين تريد يا أبا بكر ؟ فقال أبو بكر أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي ، فقال ابن الدغنة فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج ، إنك تكسب المعدوم وتصل الرحم وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق ، فأنا لك جار ، فارجع واعبد ربك ببلدك ، فرجع وارتحل معه ابن الدغنة ، فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش فقال لهم إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج ، تخرجون رجلا يكسب المعدوم ويصل الرحم ويحمل الكل ويقري الضيف ويعين على نوائب الحق . - ولو قال كما قال مؤمن آل فرعون
( أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ )
الآية 28 من سورة المؤمن المارة لأن الجلاء أخر القتل عندهم بل أشد ، ولكنه لا يدين بدين اللّه حتى يقول ذلك بتوفيق اللّه ، وإنما وصفه بأوصافه الكريمة وهو لها أهل - . فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة ، وفي رواية : فأنفذت قريش جوار ابن الدغنة وأمنوا أبا بكر ، وقالوا لابن الدغنة مر أبا بكر فليعبد ربه في داره وليصل فيها ويقرأ ما شاء ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به ، فإنا نخشى أن يفتن نساؤنا وأبناؤنا ، فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر ، فلبث أبو بكر كذلك يعبد ربه في داره ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره ، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره ، وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن فيتقذّف عليه نساء المشركين وأنباؤهم وهم يعجبون منه وينظرون إليه ، وكان رجلا لا يكاد يملك عينيه إذا قرأ القرآن ، فأفزع ذلك اشراف قريش من المشركين ، فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم ، فقالوا إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره ، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره ، فأعلن بالصلاة والقراءة فيه ، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا ، فانهه ، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل ، وإن أبي إلا أن يعلن بذلك فله أن يرد إليك ذمتك ، فإنا قد كرهنا أن نخفرك ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان .
قالت عائشة فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر فقال له قد علمت الذي عاهدت لك عليه فإما أن تقتصر على ذلك وإمّا أن ترجع إلى ذمتي ، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني خفرت في رجل عقدت له ، فقال أبو بكر إني أردّ إليك جوارك وأرضى