صلّى اللّه عليه وسلم احتجاجا بخبر لا هجرة بعد الفتح ، بل هي عامة مطلقة ، حكمها باق إلى الأبد ، فبمقتضاها يجب على كل من كان في بلدة يتجاهر فيها بالمعاصي ولا يقدر على المنع ولا على إقامة دينه وإظهار شعائره كما ينبغي ، أن يهاجر إلى غيرها من البلاد التي يتهيأ له فيها ذلك كله ، لأنه إذا لم يكن آمنا على دينه لا يتمكن من إقامته فهو آثم ، لذلك عليه أن يهاجر إلى بلد يكون فيه أسلم قلبا وأصحّ دينا وأكثر عبادة وأحسن رفاقة . هذا وقد حث اللّه على الهجرة في الآية 99 من سورة النساء الآتية في ج 3 ، بما يدل على أنها غير خاصة بزمن كما سنبينها هناك بصورة مفصلة إن شاء اللّه . قال صلّى اللّه عليه وسلم : من فرّ بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا من الأرض استوجب الجنة . وفي قوله تعالى
( واسِعَةٌ )
عدّة ووعد لعباده المهاجرين بسعة الرزق ، أي لا تخافوا الضيق إذا تركتم دياركم من أجلي فإني أوسع عليكم « وكان ذلك . وأعلم أن البقاع تتفاوت تفاوتا عظيما ، وقال العارفون لم نجد أعون على قهر النفس وأجمع للقلب وأحث على القناعة وأطرد للشيطان وأبعد من الفتن وأربط للأمر الديني من مكة حرسها اللّه تعالى . قال سهل إذا ظهرت المعاصي والبدع في أرض فأخرجوا منها إلى أرض المطيعين . راجع الآية 9 من سورة الروم المارة . قال تعالى
« كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ »
ذكر اللّه تعالى هذه الآية بعد الآية المشيرة إلى الهجرة ليستعدوا له قبل مفاجاته ، لأنهم لا يدرون متى يفاجئهم ، لذلك خوفهم بالموت فيها ليهون عليهم أمر الهجرة ، إذ لا أصعب من ترك الوطن على النفس إلا الموت كيلا يبقوا بدار الشرك فيموتوا فيها ، وإذا سهل على الإنسان الموت سهل عليه ترك الوطن وحث نفسه على الهجرة منه لإخلاص العبادة لربه والمحافظة على دينه اللذين يذهب بهما إليه دون وطنه وأهله وعشيرته ، قال عليه الصلاة والسلام : يتبع الميت ثلاث ، أهله وماله وعمله ، فيرجع أهله وماله ويبقى عمله .
« ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ »
57 بعد الموت حتما ، وإذا كان كذلك فاجنحوا في دنياكم إلى ما يصلح دينكم واتركوا غيره . ويضاهي صدر هذه الآية الآية 35 من سورة الأنبياء المارة والآية 185 من آل عمران في ج 3 ، وهي مكررة في القرآن . قال تعالى
« وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ »
في هذه الدنيا