وأخيه مصعب ، كان الأول طاغيا مؤثرا الدنيا على الآخرة ، والثاني خائفا مقام ربه ناهيا نفسه عن هواها . وقد وقى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بنفسه يوم أحد حين تفرق عنه الناس حتى نفدت المشاقص أي السهام في جوفه رضي اللّه عنه ، فلما رآه صلّى اللّه عليه وسلم متشطحا في دمه قال عند اللّه احتسبك ، وقال لأصحابه لقد رأيته وعليه بردان ما تعرف قيمتهما وإن شراك نعله من ذهب . ولما أسر أخوه أبو عزيز لم يشدد وثاقه إكراما له ، وأخبر بذلك قال ما هو لي بأخ شدوا أسيركم ، فإن أمه أكثر أهل البطحاء حليا ومالا .
وعنه أيضا أنها نزلت في مصعب المذكور المعفور له المرضي عنه وفي أبي جهل المغضوب عليه المنفور منه ، وقيل في النضر وابنه . والآيات عامات كما ذكرنا فيدخل فيها هؤلاء وغيرهم ، إذ لا يوجد ما يقيدها بأحد ، وذكرنا غير مرة أن نزول الآية لا يقصر معناها فيمن نزلت عليه أو فيه بل تعمه وغيره إذا لم يوجد مخصص . قال تعالى
« يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها »
42 متى قيامها وإتيانها يا سيد الرسل لأنهم لا يعلمون
« فِيمَ أَنْتَ »
في أي شيء أنت تتطلع إليها أتريد أن تعلم وقتها ، كلا ، فإنك وجميع الخلق بعيد
« مِنْ ذِكْراها »
43 وبيان وقتها لأنك لست بالمبين زمنها لهم ولا بالعارف وقت قيامها ، فقل لهم أنا لا أعلم عنها شيئا أبدا وقل
« إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها »
44 منتهى علمها عند اللّه فما هذا السؤال عنها وأنت من علاماتها لأنك خاتم الرسل ، فوجودك دلالة على قربها ، فليستعدوا لها
« إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها »
45 ولهذا بعثت لا لبيان وقتها . واعلم أن هؤلاء الكفرة الملحّين بالسؤال عنها
« كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا »
في دنياهم وقبورهم
« إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها »
46 أي بقدر زمن ضحى من يومها ، لأن العشي لا ضحى له ، وإنما الضحى لليوم ، أي كان ما مرّ عليهم في حياتهم وبرزخهم بقدر هذا الجزء بالنسبة لأهوال ذلك اليوم وطوله . أخرج البزاز وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والحاكم - وصححه - عن عائشة قالت : ما زال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يسأل عن الساعة حتى أنزل اللّه تعالى عليه ( فيم أنت من ذكراها ) فانتهى عليه الصلاة والسلام فلم يسأل بعدها . وأخرج النسائي عن طارق بن شهاب قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يكثر ذكر الساعة حتى نزلت ( فيم أنت من ذكراها )