ووطنها على مخالفته ، ولم يعتد بمتاع الدنيا وزهرتها الفانية ، ولم يغتر بزخارفها وزينتها البالية ، علما بوخامة عاقبتها ، قال بعض الحكماء : إذا أردت الصواب فانظر هواك وخالفه . وقال الفضيل : أفضل الأعمال مخالفة الهوى . قال أبو عمران اليرتلي :
فخالف هواها واعصها إن من يطع * هوى نفسه تنزع به شر منزع
ومن يطع النفس اللجوجة ترده * وترم به في مصرع أي مصرع
وقال الأبوصيري :
فاصرف هواها وحاذر أن توليه * إن الهوى ما تولى يصم أو يصم
وراعها وهي في الأعمال سائمة * وإن هي استحلت المرعى فلا تسم
كم حسنت لذة للمرء قاتلة * من حيث لم يدر أن السم في الدسم
وخالف النفس والشيطان واعصهما * وإنّ هما محضاك النصح فاتهم
هذا والسالم من موافقة هواه قليل ، اللهم اجعلنا من القليل . قال : سهل لا يسلم من الهوى إلا الأنبياء وبعض الصديقين ، فطوبى لمن سلم منه . وقال عليه الصلاة والسلام ثلاث مهلكات : هوى مطاع ، وشحّ متبع ، وإعجاب المرء في نفسه . واعلم أن من اتبع هواه في واحدة جرته إلى وحدات ، ومن المعلوم عدم إدراك كل ما يتمناه الإنسان مهما بلغ في الحياة ، وعليه فالترك بالكلية أولى وأحسن قال :
ما كلّ ما يتمنى المرء يدركه * تجري الرياح بما لا تشتهي السفن
وقال الآخر :
وأنت إذا أرسلت طرفك رائدا * لعينك يوما أتعبتك المناظر
رأيت الذي لا كله أنت قادر * عليه ولا عن بعضه أنت صابر
وقال غيره :
جمع الهواء مع الهوى في مهجتي * فتكاملت في أضلعي ناران
فقصرت بالممدود عن نيل المنى * ومددت في المقصور في أكفاني
فالعاقل من يتباعد عن قليله فإنه يجره لكثيره ، وهو لا يهدي إلا إلى الشر ، وليس لمن تبعه عاقبة غير الهلاك ، ويكفي في ذمه أنه ينشأ من شهوة النفس الخبيثة وطاعة الشيطان اللعين ، قال ابن عباس : إن هذه الآيات نزلت في أبي عزير بن عمير