أي اجعل مكة شرفها اللّه من جملة البلاد الآمنة التي يأمن أهلها فيها على أنفسهم وأموالهم
« وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ »
35 أدخل نفسه عليه السلام مع أنه معصوم من عبادتها لزيادة التثبت وإظهار عجزه لربه وإعلاما بأنه لا يقدر أحد علي حفظ نفسه إلا يحفظ اللّه تعالى ، وفيه تعليم للغير بالتبرّي من الاعتماد على النفس ، وقد أجاب اللّه دعاءه لبنيه من صلبه إذ ثبت أن أحدا منهم لم يعبد صنما ما ، وكذلك أولادهم الموجودون في زمانهم . واعلم أن عجز هذه الآية يفيد أن من لم يتبعه على دينه فليس منه ، وهو كذلك ، ولكن ينفي ما يرد عليه من أن أهل مكة من نسل إسماعيل عليه السلام ابنه قد عبدوا الأوثان وهذا مردود ، لأنهم ليسوا في زمن إسماعيل ولا أولاد إسماعيل أيضا ، فلا محل لهذا الإيراد ، ولا يرد أيضا ما جاء في الحديث الصحيح ( يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة ) لأن المراد بالأمن الذي طلبه إبراهيم أمن أهلها وقد كان ، قال تعالى
( أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ )
الآية 68 من سورة العنكبوت الآتية أي وهم آمنون ، على أنه لو أريد بالأمن عدم خرابها لا يتجه أيضا ، لأن اللّه تعالى قد حفظها من كل من أراد خرابها ، أبرهة فمن قبله وحتى الآن محفوظة بحفظ اللّه ، وستبقى كذلك بإذن اللّه إلى الوقت المقدر لخرابها ، إذ لا يبقى لها أهل ولا من يقول اللّه ، وهو من علامات الساعة ، فلا تنافي بين الحديث والآية على هذا المعنى أيضا ، والأول أولى وأوجه
« رَبِّ إِنَّهُنَّ »
الأصنام
« أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ »
وهو يعلم أن المضل في الحقيقة هو اللّه كما ذكرناه في الآية 112 من الأنعام المارة ، لأن هذه الأصنام وإبليس وشياطين الإنس والجن لا تقدر أن تضل من هداه اللّه ، قال تعالى
( مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً )
الآية 17 من سورة الكهف ، ولا سيما الأصنام لأنها جماد لا تعقل حتى تضل غيرها ، إلا أنه لما حصل الإضلال بعبادتها أضيف إليها كما أضيف الغرور والفتنة إلى الدنيا ، والنزغ والإغواء والتزيين إلى الشيطان ، راجع الآية 39 من سورة الحجر المارة وما ترشدك إليه تقف على ما تريده من هذا البحث مفصلا ، ثم خصّص عليه السلام دعاءه العام في صدر هذه الآية بقوله
« فَمَنْ تَبِعَنِي