تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
ليتخلصوا مما حل بهم ، ولات حين خلاص ، وهذه الآية لا تنافي الآية 84 المارة وهي ( ثم لا يؤذن للذين كفروا ) إلخ ، لأن يوم القيامة يوم طويل شديد الهول تختلف فيه أحوال الناس فترى الكفرة مرة لا يؤذن لهم بالكلام ، وأخرى يبكون وتارة يجادلون ، وطورا يحاورون شركاءهم وأوثانهم
« وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ »
جزاء
« ما عَمِلَتْ »
في دنياها لا يغير عقابها كلام ولا جدال
« وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ »
111 شيئا بل يجازون على الخير بأحسن منه وعلى الشر بمثله .

مطلب في ضرب المثل وبيان القوية وعظيم فضل اللّه على عباده :

« وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً »
واسعا كافيا يبسر وسهولة
« مِنْ كُلِّ مَكانٍ »
كقوله تعالى
( يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ )
الآية 56 من سورة القصص المارة في ج 1 ، بدعوة إبراهيم عليه السلام الواردة بالآية 156 من البقرة في ج 3 ، لأن المراد بالقرية مكة
« فَكَفَرَتْ »
أهاليها وسكانها
« بِأَنْعُمِ اللَّهِ »
المترادفة عليها ولم تشكرها وتقدرها
« فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ »
الإذاقة جارية عند أهل المعاني مجرى الحقيقة لشيوعها فيما يمس الناس من البلايا والشدائد ، فيقولون ذاق فلان الضر وأذاقه العذاب ، يشبهون ما يدرك الإنسان من أثر الضرر بما يدركه من طعم المرّ قال :
ومن يذق الدنيا فإني طعمتها * وسيق إلينا عذبها وعذابها
وشبهوا اللباس به لاشتماله على الملابس ، ولما كان الواقع عبارة عما يغشى الإنسان فكأنه قال فأذاقهم ما غشيهم من
« الْجُوعِ وَالْخَوْفِ »
جزاء
« بِما كانُوا يَصْنَعُونَ »
112 لم يقل صنعت لأن المراد أهل القرية كما ذكرنا . واعلم أن المثل عبارة عن قول في شيء يشبه قولا في شيء آخر بينهما مشابهة ليبين أحدهما الآخر ويصوّره بصورة أوضح منه وهنا بين المشبّه وهو القرية ، ولم يذكر المشبّه به لوضوحه عند المخاطبين ولأن ذكر المشبه به غير لازم ، لأنه إما أن يراد بها قرية محققة أو مقدرة وحذفه في علم البلاغة في مثل هذا جائز ، وذلك أن أهل مكة كانوا في أمن وطمأنينة وخصب عيش ، قال تعالى
( أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ )
الآية 60 من سورة العنكبوت الآتية والمراد من
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 255 | السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني