مطلب معنى الرحمة والفضل ومراتب كمال النفس .
هذا ، وقد خاطب اللّه عزّ وجل رسوله سيد المخاطبين بقوله بعد ذلك
« قُلْ »
لهؤلاء الجهلة ليس الفرح الذي تطمئن له النفس بحطام الدنيا ولذتها الفانية ، وإنما الفرح الدائم المحمود العاقبة يكون
« بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ »
وهو الإسلام والإيمان والقرآن وطاعة الرسول
« فَبِذلِكَ »
الأمر العظيم الحسن العاقبة إذا أرادوا الفرح بمعناه ، المبهج للوجوه ، المثلج للصدور
« فَلْيَفْرَحُوا »
إذا فقهوا ونظروا إلى عاقبة الأمر ، فلا شيء أحق أن يفرح به غير ذلك ، فمن أعطي تلك الأمور الأربعة وعمل بما تفرع عنها فقد أعطي الخير كله لأنه
« هُوَ »
المشار إليه من الفضل والرحمة
« خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ
58 » من متاع الدنيا ، لأن ما آتاهم اللّه تعالى في الإسلام والإيمان والقرآن ومحمد صلى اللّه عليه وسلم والانتفاع بها وثلج اليقين بالإيمان وسكون النفس إليه لا يقاس بالدنيا وما فيها . واعلم أن الفرح لذة في القلب تظهر على الجوارح عند إدراك المحبوب والمشتهى من كل ما يؤمله الرجل ، وأكثر ما يستعمل في اللذات البدنية الدنيوية ، واستعمل هنا فيما يرغب فيه من الأمور الأخروية ، قال بعض المحققين إن في هذه الآية إشارة إلى أن للنفس الإنسانية مراتب كمال من تمسك بالقرآن فاز بها : الأولى تهذيب الظاهر من فعل كل ما لا ينبغي ، وإليها الإشارة بالموعظة الحسنة ، لأن فيها الزجر عن المعاصي ، وإذا انزجرت النفس عن المعاصي جنحت إلى الطاعات ففازت بالرضى ، الثانية تهذيب الباطن عن العقائد الفاسدة والملكات الردية ، وإليها الإشارة بشفاء لما في الصدور ، الثالثة تحلي النفس بالعقائد الحقة والأخلاق الفاضلة ولا يحصل ذلك إلا بالهدى ، الرابعة تجلي أنوار الرحمة الإلهية وتختص بالنفوس الكاملة المستعدة بما حصل لها من الكمال الظاهر والباطن وذلك المشار إليه بقوله
( قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ )
إلخ الآية ، هذا ومما يدل على تفسير الآية بما ذكرنا ما أخرجه أبو الشيخ وابن مردويه عن أنس قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فضل اللّه القرآن ، ورحمته أن جعلكم من أهله ، ولا يكون من أهله إلا من هو مسلم مؤمن . وروى ذلك عن البراء وأبي سعيد الخدري ، وجاء عن جمع أن الفضل القرآن ، والرحمة الإسلام . وقيل إن المراد بالرحمة محمد صلى اللّه عليه وسلم لقوله تعالى