مستدلا بقوله صلّى اللّه عليه وسلم وهو ما رواء عنه عمر رضي اللّه عنه : إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة ، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار ، يقال هذا مقعدك حتى يبعثك اللّه تعالى . وبأنه صلّى اللّه عليه وسلم حين زار الموتى قال السلام عليكم دار قوم مؤمنين ، إلخ لا يتجه ، لأن الأرواح حينما كانت لها اتصال بأجسادها لا يعلم حقيقته إلا اللّه تعالى ، وبهذا الاتصال تردّ السلام وتعرف المسلم عليها ويعرض عليها مقعدها من الجنة أو النار ، راجع الآية 46 من سورة الزمر في ج 2 ، على أنه لا مانع من انتقالها من مستقرها وعودتها إليه في أسرع من البصر ، وان حديث البراء بن عازب في صفة روح المؤمن الذي يقول فيه ( فإذا انتهى إلى العرش كتب كتابه في عليين ، ويقول الرّب ردّوا عبدي إلى مضجعه فإني وعدتهم أني منها خلقتهم ، وفيها أعيدهم ، ومنها أخرجهم تارة أخرى . راجع تفسير الآية 54 من سورة طه المارة . فهو ليس نص في جعل روحه في فناء قبره ، وما فيه من الإشارة لا تعارض الأحاديث الكثيرة الصريحة بأن الأرواح في الجنة لا سيما الشهداء ، وقوله تعالى منها خلقناكم إلخ الآية هو باعتبار الأبدان لا الأرواح ، ولا شكّ أيضا أن أحوال الأرواح مختلفة ، قال النسفي في بحر الكلام إن الأرواح على خمسة أقام الأول أرواح الأنبياء عليهم السلام تأكل وتشرب وتتنعّم في الجنة نهارا وتأوى ليلا إلى قناديل تحت العرش ، الثاني أرواح الشهداء تكون في أجواف طير خضر في الجنة تأكل وتتنعم وتأوي أيضا إلى قناديل كأرواح الأنبياء ، الثالث أرواح المطيعين من المؤمنين بربض الجنة لا تأكل ولا تتمتع ولكن تنظر إلى الجنة فقط ، الرابع أرواح العصاة منهم تكون بين السماء والأرض في الهواء ، الخامس أرواح الكفار في سجين في جوف طير سود تحت الأرض السابعة ، وهي متصلة بأجسادها تعذّب وتتألم ، أجارنا اللّه وحمانا . قال الإمام الفخر إني أعجب كل العجب ممن يقرأ هذه الآيات ويروي هذه الأحاديث ثم يقول توفي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وما كان يعرف الروح ، وفي قوله هذا رحمه اللّه ردّ على حديث أبي هريرة المتقدم ذكره آنفا بعد تفسير
( قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي )
ولهذا البحث صلة في الآية 42 من سورة الزمر في ج 2