تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 531

مساهمون:

ص٥٣١
عطاء فتى تمكن في المعالي * فأعرض في المكارم واستطالا
فكأنه أراد أعرضتم واستطلتم في الكفران ، إلا أنه استغنى بذكر العرض عن الطول للزومه له ، والتفسير الأول أولى بالمقام وأنسب للكلام
« وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً »
67 لنعم اللّه تعالى مبالغا في جحودها ، وهذا التعليل للإعراض وبيان لحكم الجنس ، ويعلم منه حكم أولئك المخاطبين وفيه لطافة إذ أعرض اللّه عنهم ، ومن اللطائف أن بعض الناس قال لبعض الأئمة أثبت لي وجود اللّه تعالى ولا تذكر الجوهر ولا العرض ، فقال له هل ركبت في البحر ؟ قال نعم ، قال هل عصفت الريح وأنت فيه ؟ قال نعم ، قال فهل أشرفت بك السفينة على الغرق ؟ قال نعم ، قال فهل يئست من نفع من في السفينة من المخلوقين ونحوهم لك وإنجاءهم إياك مما أنت فيه ؟ قال نعم ، قال فهل بقي قلبك معلق بشيء آخر غيرهم ترجو منه الخلاص ؟ قال نعم ، قال ذلك هو اللّه عزّ وجل ، فاستحسن ذلك منه وقنع ، لأن الإنسان مهما عظم وقوعه في المهالك ولم يجد من ينفعه يبقى في قلبه أمل النجاة ، وإذ لم يكن لهذا الأمل من يعلم تنفيذه ، فيكون المراد به هو اللّه لا غير ، قال تعالى
« أَ فَأَمِنْتُمْ »
أيها المعرضون عمن نجاكم من الغرق في البحر
« أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ »
الذي هو مأمنكم وأنتم عليه كما خسف بقارون وذهب به في أعماق الأرض ، فتغور بكم وتبتلعكم ، لأن البر والبحر مسخران للّه تعالى ، فلا فرق عليه إن أغرقكم في البحر ويرسيكم في قعره أو خسف بكم الأرض ، فيغيبكم في ثراها . فعلى العاقل أن يجعل مخافة اللّه دائما نصب عينيه وفي سويداء قلبه في أي مكان كان
« أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً »
حجارة صغيرة يرجمكم بها من السماء فيهلككم كما رجم قوم لوط وأبرهة وقومه في دياركم هذه ، وقد شاهد آباؤكم حادثته وكثير منكم أيضا حضرها ، راجع الآية 82 من سورة القصص والآية 84 من الأعراف وآخر سورة الفيل المارّات . قال الفراء ( الحاصب ) هو الريح التي ترمي بالحصباء . وقال الزجاج هو التراب الذي فيه الحصباء . وقيل ما تناثر من رقاق الثلج والبرد ومنه قول الفرزدق :
مستقبلين شمال الشام تضربهم * بحاصب كنديف القطن منثور