تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 408

مساهمون:

ص٤٠٨
أسرى به وسرى به ، ولا يقال سرى وأسرى إلا إذا كان المسير ليلا
« بِعَبْدِهِ »
محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وأضافه لنفسه إضافة تشريف وتبجيل وتعظيم ، لأنه صلّى اللّه عليه وسلم بلغ في هذا الإسراء أعلى الدرجات ، ودنا من أرفع المراتب ، وعلى ما لم يعلو عليه أحد روي أنه أوحي اليه بم شرفتك يا محمد ، قال بنسبتي إليك يا رب بالعبودية ، فأنزل اللّه هذه الآية العظيمة
« لَيْلًا »
والفائدة من ذكر كلمة ليلا مع أنه يغني عنه لفظ أسرى فضلا عن معلوميّته بمقتضى اللفظ ، هو تقليل مدة الإسراء الذي يدل عليه تنكير كلمة ليلا مع عظم ما وقع فيها من المعجزات الآتية الذكر وغيرها ، وإنما خص الليل لمزيد الاحتفال به صلّى اللّه عليه وسلم لأنه وقت الخلوة والاختصاص ومجالة الملوك ، ولا يكاد يدعو الملك لحضرته ليلا إلا من هو جليل عنده ، وهو أصل النهار والاهتداء به للقصد أبلغ ، ولأن المسافر قد يقطع بالليل ما لا يقطعه بالنهار ولهذا قال صلّى اللّه عليه وسلم عليكم بالدلجة فإن الأرض تطوى بالليل ما لا تطوى بالنهار : وجاء في المثل ( عند الصباح يحمد القوم السري ) وقد أسرى به ذهابا وإيابا ببعض الليل مسافة شهرين في الأرض
« مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ »
مكة المكرمة
« إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى »
البيت المقدس ، وسمي أقصى إذ لم يكن إذ ذاك وراءه مسجد ، أما الآن والحمد للّه فصار وراءه وبينهما مساجد كثيرة ، وأمامه ويمينه وشماله إلى أقصى الجهات المعمورة ، وفي أعظم البلاد الأجنبية التي تبعد عن مكة أشهرا ، فلم تبق قارة إلا وفيها مساجد للمسلمين
« الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ »
من جميع أطرافه بركة دينية معنوية ، وهي جعله مهبط الوحي وكفات الأنبياء ومقرهم وقبلتهم وبركة دنيوية حسية بالأنهار والأشجار ، وهو القبلة الأولى واليه محشر الخلائق ، وقد أسرينا بمحمد هذا الإسراء البديع وشرفناه بهذا التشريف الذي لم يكن لأحد من قبله
« لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا »
البديعة وعجائب قدرتنا المنيعة ، ونشرفه بمقامنا العظيم ، ونسرّه بكلامنا الجليل ، ونمتّعه بأشياء كثيرة ، ونتجلى عليه بذاتنا الكريمة ، واعلم أن لفظ كريم أفضل من غيره من الصفات الممدوحة التي يوصف بها ، إذ اختاره لذاته المقدسة دون غيره ، وهو أعلم بما يوصف به نفسه وما هو أليق بذاته المقدسة ، ولذلك وصفه بها ، قال تعالى :
( وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ )