تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 398

مساهمون:

ص٣٩٨
نفسه جرعة ماء ، ولكن من غرّه عمله غاب عنه زلله والعياذ باللّه ، وما قيل إنه أراد بالعلم علم التوراة قيل لا قيمة له ، لأنه لو أراد ذلك لما افتخر به على قومه وتفوق عليهم ، لأن فيهم من يعلمها مثله ، ولو كان ، لساقه علمها إلى التواضع ولين الجانب وكثرة الإنفاق ومكارم الأخلاق لأنها هدى ونور أنزلها اللّه على موسى وقومه ليهتدوا بها وينتهوا عما تحلى به قارون من الكبرياء والعظمة ، فكان مجرما عند اللّه تعالى بذلك
« وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ »
78 بل يدخلهم النار رأسا من غير حاجة إلى السؤال والاستعذار . قال تعالى
( وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ )
الآية 36 من المرسلات المارة ، ولا عذر لهم بعد تحقق توغلهم بالجرمية ، فهم معروفون بأعمالهم ، قال تعالى
( يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ )
الآية 41 من سورة الرحمن في ج 3 أي بعلائهم فيؤخذ بنواصيهم وأقدامهم ويطرحون في النار ، لأن جوارحهم تنطق بما عملوه في الدنيا قال تعالى
« فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ »
يوم عيده مزينا باللباس الباهر متحليا بأنواع الأوسمة المرصعة بالجواهر راكبا على بغلة موشىّ سرّجها بالذهب والدر ، وعن يمينه وشماله وخلفه سبعون ألفا من الخدم والجواري ، وكلهم مزيّن بأنواع الحلي ومرتد أحسن الثياب ، لا يرى الرائي أحسن منهم في زمنهم ، فلما رأى الناس موكبهم الفخم انقسموا قسمين ، بين للّه الأخس منهما يقوله حكاية عنهم
« قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا »
قبل كانوا مسلمين ، ولكن قالوا ما قالوا على سبيل الرغبة في اليسار كعادة البشر
« يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ »
من زخارف الدنيا وبهجتها
« إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ »
79 فيها إذ أوتي مما لم يؤت أحد مثله لما بهر عقولهم من عظمة ما رأوا من أمارات العز ، ثم بيّن اللّه تعالى الأحسن منهما بما حكى عن حالهم بقوله جل قوله
« وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ »
بما وعد اللّه المتقين في الآخرة لأولئك المتمنين
« وَيْلَكُمْ »
بما قلتم وتمنيتم ، وهذه كلمة دعاء بالهلاك ثم استعملت للردع والزجر عن ترك غير المرضي ، وهو منصوب محلا أي ألزمكم اللّه الهلاك ، ان هذا الذي ترونه عند قارون ليس بشيء محمود عاقبته ، وهو فان ولكن
« ثَوابُ اللَّهِ »
الدائم في الآخرة
« خَيْرٌ لِمَنْ