تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 311

مساهمون:

ص٣١١
وسماع كلام اللّه في الآخرة يكون على هذه الصفة ، لأن الكامل الواصل يكون له في الدنيا حكم الآخرة ، وقيل في هذا المعنى :
إذا ذكرت ليلى فكلي مسامع * وإن ظهرت ليلى فكلي أعين
أي أنه يرى ويسمع بكل جوارحه وهي مبالغة عن شدّة تلذذه بما يسمعه ويراه منها لتوغله في محبتها ، ولأن حبّها تداخل فيه وجرى في عروقه مجرى الدم منه . ثم اعلم أيضا أنه لا يجوز السؤال عن الكيفية في ذات اللّه تعالى وصفاته ، إذ لا يقال كيف ذاته من غير جسم ولا جوهر ولا عرض ، ولا كيف علمه من غير كسب وضرورة ، ولا كيف قدرته من غير صلابة ، ولا كيف إرادته من غير شهوة وأمنية ، ولا كيف تكليمه من غير حدة ولا صوت ، لأن هذا كله من نعوت البشر ، ولأن اللّه تعالى سدّ هذا الباب عليهم بقوله جل قوله :
( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ )
الآية 11 من سورة الشورى في ج 2 ، أما كيفية سماع موسى كلامه فقد وضحته لك أعلاه ، فاغتنم هذا ، فإنك لا تجده على هذا التفصيل والتمثيل في كتب كثيرة ، واحمد اللّه على إنعامه
« وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ »
8 وهذه الجملة من تتمة ما نودي به موسى ، أي نزه ربك عما لا يليق به ، فقد نزه تعالى شأنه ذاته المقدسة بذاته عن صفات خلقه وعما تتخيله الأوهام من التشبيه والتمثيل ، وفيها تعجب إلى موسى بأنه سيلقى من جلائل الأمور وعظائم الشؤون ما يتعجب منه المتعجبون . وما قاله السدي بأن هذه الجملة من كلام سيدنا موسى ، بعيد عن المقام ويأباه مدلول الكلام ، لأن موسى لم يتكلم بعد ، كيف وقد اعتراه ما اعتراه من الدهشة وهيبة الربوبية التي ألمعنا إليها في الآية 10 من سورة طه المارة ، ولما رأى اللّه تعالى موسى كما كان مرئيا في الأزل لديه وقد أخذته الرهبة ، أراد أن يعرفه بذاته المقدسة ويزيل عنه ما أهابه ليمهد له ما أراد أن يلقيه عليه ويظهره على يده من الأمور الغريبة ، ناداه
« يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ »
9 الذي يكلمك هو أنا ، ولفظة الجلال بيان للفظة أنا والعزيز الغالب لما يفعله من العجائب والبدائع بمقتضى الحكمة ، وهي صفتان له جلّت صفاته وفيها إشارة إلى كمال قدرته وقوة عظمته ورمز إلى أنه سيبين له ما يستبعده الوهم المستفاد من قوله
« وَأَلْقِ