تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
لفعلهم . روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يرئيه خير له من أن يمتلئ شعرا . ومعنى يرئيه يبلغ الرئة محل التنفس من الحلقوم ، كناية عن شدة الامتلاء . واعلم أن القول بخلاف العمل مذموم ليس بالشعر فقط والشعراء بل في جميع القول والناس كافة ، قال تعالى
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ . كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ )
. الآيتين 3 / 4 من سورة الصف في ج 3 ، ألا لينتبه الناس له ولا يخصوه بالشعر . مطلب ما هو المحبوب من الشعر : واعلم أن هذا الذم الذي في هذه الآية في حق الكافرين ومن يحذو حذوهم في اشعاره ، أما الذين لا يكذبون مثلهم فقد استثناهم اللّه تعالى بقوله
« إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ »
زيادة على إيمانهم ، فإنهم لا يهجون أحدا ولا يمدحون بالباطل ، ولا يندمون على مدح المستحق إذا لم ينالوا منه شيئا ، لأنهم لا يقصدون إلا الحق والصدق إذا طرقوا مواضيع القول ومخازن الكلام وخاضوا في معاني القوافي ، كعبد اللّه ابن رواحة وحسان بن ثابت وكعب بن زهير وكعب بن مالك رضي اللّه عنهم ، الذين كانوا زمن الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ينافحون عنه ومن اقتفى أثرهم على نهجهم ومشى على خطتهم حتى الآن ، روي أن كعب بن مالك قال للنبي صلّى اللّه عليه وسلم إن اللّه أنزل في الشعر ما أنزل ( يعرض باجتنابه خشية أن يكون في عداد الشعراء المذمومين ) فقال صلّى اللّه عليه وسلم : إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه ، والذي نفسي بيده لكأن ما ترمونهم به نضح النّبل . أي رميه . وعن أنس بن مالك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم دخل مكة في عمرة القضاء وابن رواحة يمشي بين يديه وهو يقول :
خلوا بني الكفار عن سبيله * اليوم نضربكم على تنزيله
ضربا يزيل الهام عن مقيله * ويذهل الخليل عن خليله
فقال عمر يا بن رواحة بين يدي رسول اللّه وفي حرم مكة تقول الشعر : فقال صلّى اللّه عليه وسلم خل عنه يا عمر ، فلهن أسرع فيهم من نضح النبل - أخرجه الترمذي والنسائي - وكان هذا سنة سبع من الهجرة . ومن قال إن القائل لهذين البيتين كعب بن مالك