مطلب أكثر الموت من الأكل والشرب والحر والقر ومحبة الذكر الحسن :
ذلك لأن أكثر أسباب المرض وإن كانت في الحقيقة من اللّه ، إلا أنها تحدث من التفريط في الأكل والشرب وعدم الوقاية من الحر والبرد ، وفيه قيل :
فان الداء أكثر ما تراه * يكون من الطعام أو الشراب
وقال بعض الحكماء لو قيل لأكثر الموتى ما سبب آجالكم ، لقالوا من التخم ، وكثير من الناس لا يرون المرض إلا مرض الموت ويكون أيضا ممّا ذكر إلا القتل أو التردي أو التسمم والحرق والغرق وشبهه ، وكل ذلك بتقدير اللّه تعالى وإرادته ليقع قضاؤه حيث قدره ، وقد راعى عليه السّلام حسن الأدب بهذا وبغيره ، حتى أنه لم يقل أمرضني ، ولا آدب من الأنبياء ، لأن الذي نبأهم هذّبهم
« فَهُوَ يَشْفِينِ »
80 لأن الشفاء نعمة منه والمنعم بكل النعم هو اللّه وحده ، وهكذا الخلص ينسبون الخير إلى اللّه والشرّ لأنفسهم ، قال الخضر عليه السّلام
( فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها )
وقال
( فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما
الآيتين ) 80 و 81 من سورة الكهف في ج 2 ولهذا البحث صلة في تفسير الآية 78 من سورة النساء في ج 3 وكذلك مؤمنو الجن راعوا الأدب مع ربهم ، راجع الآية 10 من سورة الجن المارة فما بعدها
« وَالَّذِي يُمِيتُنِي »
بانقضاء أجلي في الدنيا ، ولا يرد إسناد الموت للّه على ما قلنا ، لأن الفرق ظاهر ولأن الموت قضاء محتم لا بد منه
« ثُمَّ يُحْيِينِ »
81 في الآخرة وهذا تعليم لهم بالاعتراف بالبعث بعد الموت
« وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي »
هي قوله لقومه حين أرادوه أن يذهب معهم إلى بيت الأوثان
( إِنِّي سَقِيمٌ )
الآية 90 من الصافات في ج 2 وقوله حينما سألوه عمن كسر أصنامهم
( بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا )
الآية 62 من الأنبياء في ج 2 وقوله للجبار حين سأله عن سارة ( قال أختي ) وأراد أخته في الدين وإلا فهي زوجته ، وقد عدها خطايا بالنسبة لمقامه الشريف وقربه من ربه ، وإلا فليست بخطايا وانما هي من معاريض الكلام لدى غير الأنبياء ، وقد يعدها العارفون الكاملون خطايا أيضا بالنسبة لمقامهم ، لأنهم على قدم الأنبياء ، وعلى حد حسنات الأبرار سيئات المقربين ، وهؤلاء يسمون أمثالها خطايا تواضعا لربهم وتعظيما