تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤
أفاعي وحبالا ، فلما ابتلعت عصا موسى بقدرة اللّه ذلك الزئبق منها وأزال اللّه ما خيّلوه للناس ، عادت على حالها ، ففضحهم اللّه وأظهر شعوذتهم وإنما لم ينكروا ما رأوه لأن الحيات من عادتها أنها تبلع ما تراه من عصي وغيرها ، ويوجد الآن في البرازيل حيات تبلع الجمل ، والابتلاع من طبعها ، والعقل لا يصدق أن العصي والحبال تبلع شيئا ، وإنما امتصاص الزئبق الذي في تجاويف تلك الحبال والعصي هو الذي يصدقه العقل ، فكان إبطال حركة العصي والحبال بسبب ذلك الامتصاص ، وهذا مما يركن إليه العقل وهو من أكبر الأدلة على إعجاز القرآن وأكملها ، فقد جمع فأوعى ، وهذه الحكمة في قوله تعالى تلقف ما يأفكون ، وجاء في الآية 69 من سورة طه
( تَلْقَفْ ما صَنَعُوا )
أي الذي صنعوه في العصي والحبال من إلقاء الزئبق فيها ، وهو المراد بالإفك هنا ، وذلك أن اللّه تعالى جعل قوة مادية في عصا موسى تلقف ما موهوه في عصيهم وحبالهم ، قال تعالى
« فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ »
46 اللّه تعالى إذ ظهر لهم أن فعل عصا موسى جاوز حد السحر ، ولذلك فإنهم لم يتمالكوا أنفسهم فسقطوا على الأرض سجدا ، إذ تيقنوا أن أمر موسى سماوي
« قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ 47 رَبِّ مُوسى وَهارُونَ »
48 خصوهما بالذكر لدفع توهم إرادة فرعون من دعواه الإلهية وجهل قومه الذين يدعون إلهيته ، ولو وقفوا على رب العالمين فقط ، لقال فرعون إياي يعنون ليموّه عليهم
« قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ »
بالإيمان به
« إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ »
فتواطأتم معه عليه ، وقد جاء في آية الأعراف المارة عدد 113
( إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ )
قبل حضوركم مكان الاجتماع ، وانما قال هذا يلبس على قومه انهم لم يؤمنوا على بصيرة ثم بدأ يهددهم فقال
« فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ »
49 وبال فعلكم هذا ، ثم أقسم وأكد قسمه بقوله
« لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ »
50 مر تفسير مثله في الآية 123 من الأعراف
« قالُوا لا ضَيْرَ »
لا ضرر فيما ينالنا من عذابك ، لأنه منقطع في الدنيا
« إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ »
51 رحمته الدائمة في الآخرة مؤمّلين عفوه عما صدر منا ونجاتنا من عذابه الأليم الدائم