تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١
أقل عذابا وحسرة ، قلت لأن اللّه تعالى يرد عليه بصره حتى يريه مقعده ذلك ، ثم يسلبه منه ، وكذلك الأصم والأبكم ، قال تعالى
« أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ »
أي لا أسمع ولا أبصر منهم يوم يأتونه ، راجع الآية 38 من سورة مريم المارة والآية 3 ، من سورة الكهف في ج 2 ، وقال ابن عباس إن الكافر يحشر أولا بصيرا ثم يعمى ، فيكون الإخبار بأنه كان بصيرا إخبارا مما كان عليه أول حشره ، لأنه لو لم يردّ عليه بصره كيف يقرأ كتابه ؟ كما يأتي في الآية 14 من الإسراء الآتية ، ولا يخفى أن ذلك اليوم يوم طويل تختلف فيه أحوال الكفار فمرة يجادلون وأخرى يشكون ، وطورا يعمون ، وتارة يبصرون أجارنا اللّه من ذلك ، قال تعالى ملتفتا إلى كفار مكة
« أَ فَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ »
وقرئ بالنون أي ألم يبين لهم هذا القرآن
« كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ »
الماضية وهم الآن
« يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ »
إذا سافروا للشام إذ يمرون بالحجر ديار ثمود وقريات قوم لوط ولا يتفكرون فيما كان عليهم أهلها ، وكيف صار تدميرهم ، وسببه
« إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ »
واضحات موجبة للاعتبار
« لِأُولِي النُّهى »
128 العقول السليمة يتعظون بها حيث كانوا أكثر منهم أموالا وأولادا وقوة ، فلما عصوا رسلهم أهلكهم اللّه
« وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ »
وهي الوعد بتأخير العذاب ليؤمن من يؤمن منهم ويصر من يصر على كفره وفق ما هو مقدر في الأزل بالتقدير المبرم الذي لا يبدل ولا يقدم ولا يؤخر
« لَكانَ لِزاماً »
حتما نزوله بهم حالا لا ينفك عنهم أبدا ، وكلمة لزام لم تكرر في القرآن إلا هنا وآخر سورة الفرقان ، وهي بمعنى لازم وصف به للمبالغة ، وهكذا يؤتى بالمصادر بدل اسم الفاعل بقصد المبالغة
« وَأَجَلٌ مُسَمًّى »
129 بالرفع عطف على كلمة في ( ولولا كلمة ) أي لولا كلمة سبقت بتأخير عقوبتهم وضرب أجل لوقوعها اما بانقضاء أعمارهم أو بحلول يوم القيامة لما تأخر عنهم العذاب ، بل لنزل بهم حالا ، ولكن حال دون ذلك تلك الكلمة والأجل اللذان لا يتبدلان ، وهنا فيه المقدم والمؤخر وفيه مظنة الغلط لمن لا يعلم ذلك ، وهو من أنواع البديع المستحسن وجوده في الكلام البليغ الفصيح ، قال تعالى مخاطبا رسوله
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 231 | السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني