ومحمد - عليهما السلام - على الصورة المذكورة أعلاه ، ومنهم كفرة وهم الذين غيروا وبدلوا وحرفوا وكفروا بعيسى ومحمد وكتابهما ، وهؤلاء لم يشر إليهم القرآن هنا اكتفاء بما ذكر قبلا وبما سيذكر بعد ، ودائما هم متفرقون إلى ثلاث فرق منذ التحاقهم بموسى إلى اليوم فرّقهم اللّه وشتت كلمتهم ، قال تعالى
« وَبَلَوْناهُمْ »
امتحناهم واختبرناهم
« بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ »
لأن النعمة إذا شكرت ترغب بالطاعة فتدعوا إلى الإيمان والشدة يخاف عاقبتها فتدعو إلى الإيمان أيضا ، أي إنا بلوناهم بكلا الأمرين
« لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ 168 »
عن غيهم فلم ينجع بهم
« فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ »
الخلف القسري الذي يجيء بعد قرن كان قبله ، أي حدث من بعدهم حدث سوء تبدل عما كان عليه ، وهو بسكون اللام وإذا فتحت قيل خلف خير خلف صدق أما ما جاء في قول زهير :
لنا القوم الأولى إليك وخلفنا * لأولنا في طاعة اللّه تابع
وما جاء في قول لبيد :
ذهب الذين يعاش في أكنافهم * وبقيت في خلف كجلد الأجرب
فاسكان اللام بالأول وهو في معرض المدح وفتحها في الثاني وهو في معرض الذم فلضرورة الشعر . وقال البصريون يجوز تحريك اللام وسكونها في الرديء وفي الجيد التحريك فقط ، وهؤلاء هم الفرقة الثالثة الكافرة المشار إليها في الآية 165 المارة لأنها لم تذكر فيها ، قال تعالى في ذمّهم إنهم
« وَرِثُوا الْكِتابَ »
التوراة بانتقالها لهم من آبائهم فلم يعملوا بها وصاروا
« يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا »
الشيء
« الْأَدْنى »
من حطام الدنيا الذميمة كالرشوة القبيحة ، وقد تنزه القرآن عن التصريح بها لخساستها ودناءة آخذيها ، راجع الآية 128 من البقرة في ج 3 كي يبدلوا أحكام التوراة التي آلت إليهم بطريق الإرث ويحرفونها ويغيرون ما فيها لقاء عرض تافه حقير ، والعرض بفتح الراء يطلق على جميع متاع الدنيا ، فيقال الدنيا عرض حاضر يأكل منها البرّ والفاجر ، وأما بسكونه فكل ما يطلق عليه لفظ مال غير النقدي
« وَيَقُولُونَ »
مع عملهم هذا
« سَيُغْفَرُ لَنا »
ما نفعله ، يتمنون ويطمعون