تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 415

مساهمون:

ص٤١٥
أَرْبَعِينَ لَيْلَةً »
مع يوم العيد الذي هو يوم الوعد ، وذلك أنه عليه السلام بعد أن نجى اللّه قومه وعبر بهم البحر وزجرهم على ما وقع منهم ، وكان وعد قومه بأنه إذا أهلك اللّه عدوهم يأتيهم بكتاب من عند ربه فيه ما يأتون وما يذرون . ولما تمّ له ذلك طالبه قومه به ، فسأل ربه انجاز وعده ، فأمره أن يصوم ذا القعدة ثلاثين يوما فصامها ، وأنكر خلوف فمه ، فأوحى اللّه إليه أما علمت أن خلوف فم الصائم عندي أطيب من ريح المسك ، ثم أمره أن يصوم عشرة أيام من أول ذي الحجة ويحضر لمناجاته وإنزال الكتاب عليه ، فصامها وتوجه إلى المحل الذي أمره أن يحضر فيه
« وَقالَ
. . .
لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي »
مدة ذهابي لمناجاة ربي
« وَأَصْلِحْ »
أمورهم وأحسن خلافتي فيك وفيهم وراقبهم في حركاتهم وسكناتهم
« وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ 142 »
منهم ، وقد أعطى هذه الأوامر أخاه وهو يعلم أنه يصلح ولا يسلك سبيل من أفسد منهم ولكنه من قبيل التوكيد لشدة حرصه عليهم ، ولعلمه بصغر عقولهم ، ولأنهم قوم ترّبوا على الذل والصغار لا يأمن أن يستميلهم الأشرار ، وتوصية لهارون الذي لا يتصور منه وقوع ما أوصاه به ، وحذره عنه ، على حد قول سيدنا إبراهيم
( لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي )
الآية 260 من البقرة في ج 3 ، وعلى حد قوله تعالى
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا )
الآية 134 من سورة النساء ، أي اثبتوا على إيمانكم وداوموا عليه ، فكأنه يقول لأخيه دم على أخلاقك وإصلاحك شأنهم كما كنت أنا وأنت دائبين عليه ، وكأنه عليه السلام نفث في روعه أنهم سيزيغون عن عبادة اللّه بما يسوله لهم شرارهم فأوصى أخاه بما أوصاه لأن الأنبياء ملهمون ، وسبب وصيته هذه أن الرئاسة كانت لموسى دون هارون ، وقال الشيخ محي الدين العربي الأكبر في فتوحاته ما معناه إن هارون نبي أصالة ورسول بحكم التبعية فلعل هذا الاستخلاف من آثار تلك التبعية ، وقيل إن هذا كان كما يقوله أحد المأمورين بمصلحة واحدة إذا أراد الذهاب لحاجة كن عوضا عني ، أي ابذل جهدك ووسعك بحيث يكون عملك عمل اثنين ، وهو وصية لأن هارون مثل موسى مرسل لبني إسرائيل أيضا .
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 415 | السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني