تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 388

مساهمون:

ص٣٨٨
وليس هذا مما يعول عليه ، والأحرى عدم صحته لأن العذاب نزل دفعة واحدة فمتى تمكنت من إنشاء هذه الأبيات ، وعلى القول بأنها كانت مع المسلمين ، فإن أباها لم يهلك بالظّلة لأن أصحاب الظلة أهل الأيكة الذي ذكرهم في الآية 189 من سورة الشعراء وأبوها هلك بالصيحة مع قومه أهل مدين ، وهذه الزيادة أسقطت اعتبار صحة الأبيات فيها على فرض أنها مسلمة لم تهلك ، وهكذا الأخباريون أحيانا يهرفون بما لا يعرفون ، ولذلك لا يوقن بنقلهم قال تعالى
« وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ »
تشير هذه الجملة بالإجمال إلى سائر الأمم وأحوالها مع أنبيائها وفيها تخويف لقريش وتحذير من أن تكون عاقبتهم الإهلاك إن لم يؤمنوا كسائر الأمم الكافرة ، وفيها حذف وإضمار أي فكذبوه
« إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ »
الفقر ودواعيه
« وَالضَّرَّاءِ »
المرض ولوازمه
« لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ 94 »
إلى ربهم فيرجعون عن كفرهم فيؤمنوا فيقبلهم ويعفو عنهم ، وفي هذه الجملة زجر لكافة الكفرة بأن يقلعوا عما هم عليه وإلا فمصيرهم التدمير . وتعريف لحضرة الرسول بأحوال الأنبياء مع أممهم وسنة اللّه فيهم تسلية له ليهون عليه ما يلاقيه من قومه من الأذى والتكذيب
« ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ »
أي بدل البلاء والمحنة والشدة التي كانوا عليها بالسعة والصحة والرخاء مما يستدعي الإيمان بنا والانقياد إلى طاعتنا شكرا لنعمنا عليهم بدفع السيئ عنهم وجلب الحسن لهم
« حَتَّى عَفَوْا »
كثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم ، وعفى تأتي بمعنى زاد قال تعالى
( وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ )
الآية 229 من البقرة في ج 3 وبمعنى كثر ونمى كما هاهنا ، أما ما جاء في الحديث أعفوا اللحى واحفوا الشارب ، بمعنى اتركوا اللحى لا تحلقوها وليس المراد لا تقصوا منها شيئا إذ يجوز أخذ ما زاد منها على القبضة والمراد بإحفاء الشارب الأخذ منه أيضا بحيث تظهر حواف الشفة ، وقد غلط من فسّره بالحلق ، لأن الرسول لم يفعله ولأنه مثلة والشريعة جميلة مجملة لا تأمر بما هو مثلة ، ولهذا البحث صلة في الآية 187 من هذه السورة . أما ما فسره أبو مسلم بأن المراد من عفوا اعرضوا عن الشكر ، فليس بيانا للمعنى اللغوي بل أخذا من معنى الآية وليس بشيء