Skip to main content

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — Page 70

Contributors:

P.70
عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ
على وقوع المراد ؟ وعندهم أن اللّه قد أراد إيمان من على وجه الأرض . فلم يقع مراده . وأما على قول أهل الإثبات ، فالتحقيق في ذلك أن الإرادة في كتاب اللّه نوعان : إرادة شرعية دينية تتضمن محبته ورضاه . وإرادة كونية قدرية تتضمن خلقه وتقديره . الأولى مثل هؤلاء الآيات . والثانية مثل قوله تعالى
فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ
[ الأنعام : 125 ] ، وقول نوح
وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ
[ هود : 34 ] ، وكثير من المثبتة والقدرية يجعل الإرادة نوعا واحدا ، كما يجعلون الإرادة والمحبة شيئا واحدا . ثم القدرية ينفون إراداته لما بيّن أنه مراد في الآيات التشريع . فإنه عندهم كل ما قيل إنه مراد . فلا يلزم أن يكون كائنا ، واللّه قد أخبر أنه يريد أن يتوب على المؤمنين وأن يطهرهم . وفيهم من تاب وفيهم من لم يتب . وفيهم من تطهر وفيهم من لم يتطهر . وإذا كانت الآية دالة على وقوع أراده من التطهير وإذهاب الرجس ، لم يلزم بمجرد الآية ثبوت ما ادعاه . ومما يبيّن ذلك ، أزواج النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم مذكورات في الآية . والكلام في لأمر بالتطهير بإيجابه ووعد الثواب على فعله والعقاب على تركه . قال تعالى :
يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً
[ الأحزاب : 30 ] ، إلى قوله :
وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً
، فالخطاب كله لأزواج النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ومعهن الأمر والنهي والوعد والوعيد . لكن لما تبيّن ما في هذا من المنفعة التي تعمّهن وتعمّم غيرهن من أهل البيت ، جاء التطهير بهذا الخطاب وغيره ليس مختصا بأزواجه . بل هو متناول لأهل البيت كلهم . وعلي وفاطمة والحسن والحسين أخص من غيرهم بذلك . ولذلك خصهم النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بالدعاء لهم . وهذا كما أن قوله :
لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ
[ التوبة : 108 ] ، نزلت بسبب ( مسجد قباء ) لكن الحكم يتناوله ويتناول ما هو أحق منه بذلك ، وهو ( مسجد المدينة ) وهذا يوجه ما ثبت في الصحيح « 1 » عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنه سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال : « هو مسجدي هذا » . وثبت عنه في الصحيح « 2 » أنه كان يأتي قباء
Footnote
( 1 ) أخرجه مسلم في : الحج ، حديث رقم 415 . ( 2 ) أخرجه البخاري في : فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة ، 3 - باب من أتى مسجد قباء كل سبت ، حديث 647 ، عن ابن عمر . وأخرجه مسلم في : الحج ، حديث رقم 515 .