Skip to main content

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — Page 73

Contributors:

P.73
( الرجس ) أصله القذر . ويراد به الشرك . كقوله
فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ
[ الحج : 30 ] ، ويراد به الخبائث المحرّمة ، كالمطعومات والمشروبات كقوله :
قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً
[ الأنعام : 145 ] ، وقوله
إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ
[ المائدة : 90 ] ، وإذهاب ذلك إذهاب لكله . ونحن نعلم أن اللّه أذهب عن أولئك السادة الشرك والخبائث . ولفظ ( الرجس ) عامّ يقتضي أن اللّه يذهب جميع الرجس . فإن النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم دعا بذلك . وأما قوله ( وطهرهم تطهيرا ) فهو سؤال مطلق بما يسمى طهارة . وبعض الناس يزعم أن هذا مطلق فيكتفي فيه بفرد من أفراد الطهارة . ويقول مثل ذلك في قوله
فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ
[ الحشر : 2 ] ، ونحو ذلك . والتحقيق أنه أمر بمسمى الاعتبار الذي يقال عند الإطلاق . كما إذا قيل : أكرم هذا ، أي افعل معه ما يسمى عند الإطلاق إكراما . وكذلك ما يسمى عند الإطلاق اعتبارا . والإنسان لا يسمى معتبرا إذا اعتبر في قصة ، وترك ذلك في نظيرها . وكذلك لا يقال ( هو طاهر ) أو ( متطهر ) أو ( مطهر ) إذا كان متطهرا من شيء ، متنجسا بنظيره . ولفظ ( الطاهر ) كلفظ ( الطيب ) قال تعالى :
وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ
[ النور : 26 ] ، كما قال
الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ
[ النور : 26 ] ، وقد روي أنه قال لعمّار : ائذنوا له . مرحبا بالطيب المطيب . وهذا أيضا كلفظ ( المتقي ) و ( المزكي ) قال تعالى :
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها
) [ الشمس : 9 - 10 ] ، وقال :
خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها
[ التوبة : 103 ] ، وقال
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى
[ الأعلى : 14 ] ، وقال :
وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ
[ النور : 21 ] ، وليس من شرط المتقين ونحوهم أن لا يقع منهم ذنب ، ولا أن يكونوا معصومين من الخطأ والذنوب . فإن هذا ، لو كان كذلك ، لم يكن في الأمة متّق ، بل من تاب من ذنوبه دخل في المتقين . كما قال
إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً
[ النساء : 31 ] ، فدعاء النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم بأن يطهرهم تطهيرا ، كدعائه بأن يزكيهم ويطيبهم ويجعلهم متقين ، ونحو ذلك ومعلوم أن من استقرّ أمره على ذلك ، فهو داخل في هذا . لا تكون الطهارة التي دعا بها لهم بأعظم مما دعا به لنفسه . وقد قال « 1 » :
Footnote
( 1 ) أخرجه مسلم في : الصلاة ، حديث 204 عن عبد اللّه بن أبي أوفى .