Skip to main content

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — Page 518

Contributors:

P.518
فورد النهي عما هو مظنة لأذى النبيّ عليه الصلاة والسلام ، سواء وجد هذا المعنى أو لا ، حماية للذريعة ، وحسما للمادة . ثم لما كان هذا المنهيّ عنه - وهو رفع الصوت - منقسما إلى ما يبلغ ذلك المبلغ أولا ، ولا دليل يميز أحد القسمين عن الآخر ، لزم المكلف أن يكف عن ذلك مطلقا ، وخوّف أن يقع فيما هو محبط للعمل ، وهو البالغ حد الإيذاء ، إذ لا دليل ظاهر يميزه . وإن كان ، فلا يتفق تمييزه في كثير من الأحيان . وإلى التباس أحد القسمين بالآخر وقعت الإشارة بقوله
أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ
. وإلا فلو كان الأمر على ما تعتقده المعتزلة ، لم يكن لقوله
وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ
موقع . إذ الأمر بين أن يكون رفع الصوت مؤذيا ، فيكون كفرا محبطا قطعا ، وبين أن يكون غير مؤذ ، فيكون كبيرة محبطة على رأيهم قطعا . فعلى كلا حاليه ، الإحباط به محقق ، إذن فلا موقع لإدغام الكلام بعدم الشعور ، مع أن الشعور ثابت مطلقا - واللّه أعلم - . ثم قال : وهذا التقرير الذي ذكرته يدور على مقدمتين ، كلتاهما صحيحة : إحداهما - أن رفع الصوت من جنس ما يحصل به الإيذاء ، وهذا أمر يشهد به النقل والمشاهدة الآن ، حتى إن الشيخ ليتأذى برفع التلميذ صوته بين يديه . فكيف برتبة النبوة وما تستحقه من الإجلال والإعظام . المقدمة الأخرى - أن إيذاء النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كفر . وهذا أمر ثابت قد نص عليه أئمتنا - يعني المالكية - وأفتوا بقتل من تعرض لذلك كفرا ، ولا تقبل توبته ، فما أتاه أعظم عند اللّه وأكبر ، واللّه الموفق . انتهى . ولا يخفى أن الإنصاف هو الوقوف مع ما أوضحه النص وأبانه ، فكل موضع نص فيه على الإحباط وجب قبوله بدون تأويل ، وامتنع القياس عليه ، لأنه مقام توعد وخسران ، ولا مجال للرأي في مثل ذلك . هذا ما أعتقده وأراه . واللّه يقول الحق وهو يهدي السبيل .

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الحجرات ( 49 ) : آية 3 ]

إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ( 3 )
إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ
أي يبالغون في خفضها
عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى
قال ابن جرير : أي اصطفاها وأخلصها للتقوى يعني