Skip to main content

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — Page 517

Contributors:

P.517

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الحجرات ( 49 ) : آية 2 ]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ( 2 )
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ
أي : إذا نطق ونطقتم ، فلتكن أصواتكم قاصرة عن الحدّ الذي يبلغه صوته ، ليكون عاليا لكلامكم ، لا أن تغمروا صوته بلغطكم ، وتبلغوا أصواتكم إلى أسماع الحاضرين قبل صوته ، فإن ذلك من سوء الأدب بمكان كبير
وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ
أي بل تعمدوا في مخاطبته القول اللين ، القريب من الهمس ، الذي يضادّ الجهر ، كما تكون مخاطبة المهيب المعظم . وروي عن مجاهد تفسيره بندائه باسمه ، أي لا تنادوه كما ينادي بعضكم بعضا : يا محمد ! يا محمد ! بل يا نبيّ اللّه ! يا رسول اللّه ! ونظر فيه شراح ( الكشاف ) بأن ذكر الجهر حينئذ لا يظهر له وجه ، إذ الظاهر أن يقال : لا تجعلوا خطابه كخطاب بعضكم لبعض ، كما مر في قوله
لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً
[ النور : 63 ] . انتهى . ولك أن تقول : إنما أفرغ هذا المعنى المرويّ عن مجاهد في قالب ذاك اللفظ الكريم جريا على سنة التنزيل في إيثار أرق الألفاظ والجمل ، وألطفها في ذلك ، فإن أسلوبه فوق كل أسلوب وقد قال : إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به
أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ
أي مخافة أن تحبط أعمالكم ، برفع صوتكم فوق صوته ، وجهركم له بالقول كجهركم لبعضكم
وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ
أي لا تعلمون ولا تدرون بحبوطها .

تنبيه :

استدلت المعتزلة بالآية على أن الكبائر محبطة للأعمال ، لأن المذكور في الآية كبيرة محبطة ولا فرق بينها وبين غيرها . ولما كان عند أهل السنة ، المحبط للأعمال هو الكفر خاصة ، تأولوا الآية بأنها للتغليظ والتخويف ، إذ جعلت بمنزلة الكفر المحبط ، أو هي للتعريض بالمنافقين المقاصدين بالجهر والرفع الاستهانة ، فإن فعلهم محبط قطعا . وقال الناصر : المراد في الآية النهي عن رفع الصوت على الإطلاق . ومعلوم أن حكم النهي الحذر مما يتوقع في ذلك من إيذاء النبيّ عليه الصلاة والسلام . والقاعدة المختارة أن إيذاءه عليه الصلاة والسلام يبلغ مبلغ الكفر المحبط للعمل باتفاق .