تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ
أي يقضي
بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
أي فيميز الحق من الباطل ، بتمييز المحق من المبطل
أَ وَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ
أي يتبين لكفار مكة
كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ
أي الماضية بعذاب الاستئصال
يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ
أي منازلهم . كمنازل قوم شعيب وهود وصالح ولوط عليهم السلام . فلا يرون فيها أحدا ممن كان يعمرها ويسكنها . ذهبوا كأن لم يغنوا فيها . كما قال
فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا
[ النمل : 52 ] ،
إِنَّ فِي ذلِكَ
أي فبما فعلنا بهم
لَآياتٍ
أي عبرا ومواعظ ودلائل متناظرة
أَ فَلا يَسْمَعُونَ
أي أخبار من تقدم ، كيف صار أمرهم بسبب تكذيبهم الرسل ، وبغيهم الفساد في الأرض ، فيحملهم ذلك على الإيمان
أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ
وهي التي جزر نباتها ، أي قطع
فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ
يعني العشب والثمار والبقول
أَ فَلا يُبْصِرُونَ
أي فيستدلون به على كمال قدرته ووجوب انفراده بالإلهية . وهذا كآية
فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا
[ عبس : 24 - 25 ] الآية .

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة السجدة ( 32 ) : الآيات 28 إلى 29 ]

وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 28 ) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ( 29 )
وَيَقُولُونَ
أي كفار مكة
مَتى هذَا الْفَتْحُ
أي الانتصار علينا . استعجال لوقوع البأس الربانيّ عليهم ، الذي وعدوا به ، واستبعاد له
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ
لحلول ما يغشي الأبصار ويعمي البصائر . وظهور منار الإيمان وزهوق الفريق الكافر . قال ابن كثير : أي إذا حل بكم بأس اللّه وسخطه وغضبه في الدنيا والأخرى ، لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون ، كما قال تعالى
فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ
[ غافر : 83 ] الآيتين . ومن زعم أن المراد من هذا الفتح فتح مكة ، فقد أبعد النجعة ، وأخطأ فأفحش ، فإن يوم الفتح ، قد قبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إسلام الطلقاء وقد كانوا قريبا من ألفين . ولو كان المراد فتح مكة ، لما قبل إسلامهم لقوله تعالى
قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ
وإنما المراد الفتح الذي هو القضاء والفصل كقوله :
فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً
[ الشعراء : 118 ] ، وكقوله :
قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ