القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة السجدة ( 32 ) : الآيات 13 إلى 14 ]
وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( 13 ) فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنَّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 14 )
وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها
أي تقواها
وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي
أي في القضاء السابق
لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
أي سبق القول حيث قلت لإبليس ، عند قوله
لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ
[ الحجر :
39 - 40 ] ،
فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ
[ ص : 84 - 85 ] ، أي فبموجب ذلك القول لم نشأ إعطاء الهدى على العموم . بل منعناه من أتباع إبليس الذين هؤلاء من جملتهم حيث صرفوا اختيارهم إلى الغيّ والفساد . ومشيئته تعالى لأفعال العباد منوطة باختيارهم إياها . فلما لم يختاروا الهدى ، واختاروا الضلالة ، لم يشأ إعطاءه لهم . وإنما آتاه الذين اختاروه من النفوس البرّة ، وهم المعنيّون بما سيأتي من قوله تعالى :
إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا
[ السجدة :
15 ] الآية . فيكون مناط عدم مشيئة إعطاء الهدى ، في الحقيقة ، سوء اختيارهم ، لا تحقق القول . أفاده أبو السعود .
فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا
أي تركتم الإقرار به ، والإيمان بصدق موعوده ، وعاملتموه معاملة المنسيّ المهجور
إِنَّا نَسِيناكُمْ
أي جازيناكم جزاء نسيانكم . أو تركناكم في العذاب ترك المنسيّ
وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
أي من الموبقات . والتكرير للتأكيد والتشديد . وتعيين الفعل المطويّ ، للذوق .
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة السجدة ( 32 ) : الآيات 15 إلى 16 ]
إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ( 15 ) تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 16 )
إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها
أي وعظوا
خَرُّوا سُجَّداً
لسرعة قبولهم لها بصفاء فطرتهم ، وذلك تواضعا للّه وخشوعا وشكرا على ما رزقهم من الإسلام
وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ
أي عن الانقياد لها ، كما يفعله