ابن عباس : فاطمأنت إليه بقوله :
إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا
فدنا منها فنفخ في جيب الدرع ، أي البدن ، وهو سبب إنزالها على ما ذكرنا . كالغلمة مثلا والمعانقة التي كثيرا ما تصير سببا للإنزال . وقيل : إن الروح المتمثل لها هو روح عيسى عليه السلام عند نزوله واتصالها بها وتعلقه بنطفتها . والحق أنه روح القدس .
لأنه كان السبب الفاعليّ لوجوده كما قال :
لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا
. واتصال روح عيسى بالنطفة إنما يكون بعد حصول النطفة في الرحم ، واستقرارها فيه ، ريثما ؟ تزج وتتحد وتقبل مزاجا صالحا لقبول الروح . انتهى .
الخامس - التمثّل مشتق من المثل . ومعناه التصور . وفيه دليل على أن الملك يتشكل بشكل البشر .
قال إمام الحرمين : تمثل جبريل معناه أن اللّه أفنى الزائد من خلقه أو أزاله عنه .
لم يعيده إليه بعد .
وجزم ابن عبد السلام : بالإزالة دون الفناء وفرر ذلك بأنه لا يلزم أن يكون انتقالها موجبا لموته ، بل يجوز أن يبقى في الجسد حيّا . لأن موت الجسد بمفارقة الروح ليس بواجب عقلا ، بل بعادة أجراها اللّه تعالى في بعض خلقه ، ونظيره انتقال أرواح الشهداء إلى أجواف طيور خضر تسرح في الجنة .
وقال البلقينيّ : ما ذكره إمام الحرمين لا ينحصر الحال فيه . بل يجوز أن يكون الآتي جبريل بشكله الأصليّ . إلا أنه انضم فصار على قدر هيئة الرجل . وإذا ترك ذلك عاد إلى هيئته . ومثال ذلك القطن ، إذا جمع بعد أن كان منتفشا . فإنه بالنفش يحصل له صورة كبيرة ، وذاته لم تتغير . وهذا على سبيل التقريب . والحق أن تمثل الملك رجلا ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلا ، بل معناه أنه ظهر بتلك الصورة تأنيسا لمن يخاطبه . والظاهر أيضا أن القدر الزائد لا يزول ولا يفنى ، بل يخفى على الرائي فقط .
واللّه أعلم . كذا قال ابن حجر في فتح الباري .
ولا يخفى أن هذا البحث من الرجم بالغيب ، واقتفاء ما لم يحط بكنهه .
فالخوض فيه عبث ينتهي خائضه إلى حيث ابتدأ . لأنه من عالم الغيب الذي لا يصل علمنا إليه ولن يصل إليه بمجرد العقل . ولم يرد عن المعصوم صلى اللّه عليه وسلم فيه نص قاطع .
وكل ما كان كذلك فليس من شأننا أن نبحث فيه . فاعرف ذلك فإنه ينفعك في مواضع عديدة .