تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 545

مساهمون:

ص٥٤٥

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 1 إلى 3 ]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ألم ( 1 ) أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ( 2 ) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ ( 3 )
ألم
أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ
أي أحسب الذين أجروا كلمة الشهادة على ألسنتهم ، وأظهروا القول بالإيمان ، أنهم يتركون بذلك غير ممتحنين ، بل يمحنهم اللّه بضروب المحن ، حتى يبلو صبرهم وثبات أقدامهم وصحة عقائدهم . لتمييز المخلص من غير المخلص . كما قال
لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً ، وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
[ آل عمران : 186 ] ، وكقوله :
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ
[ آل عمران : 142 ] ، وقوله تعالى :
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ، مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ ، أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ
[ البقرة : 214 ] ، وكل هذه الآيات وأمثالها مما نزل بمكة في تثبيت قلوب المؤمنين ، وتصبيرهم على ما كان ينالهم . من أذى المشركين
وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
أي من أتباع الأنبياء عليهم السلام ، بضروب من الفتن من أعدائهم ، كما دوّن التاريخ اضطهادهم . أي فصبروا وما وهنوا لما أصابهم حتى علت كلمة اللّه
فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا
أي في قولهم
آمَنَّا
وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ
أي فيه : وذلك بالامتحان . فإن قيل : يتوهم من صيغة الفعل أن علمه حدث ، مع أنه قديم . إذ علمه بالشيء قبل وجوده وبعده ، لا يتغير . يجاب بأن الحادث هو تعلق علمه بالمعلوم بعد حدوثه .