القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 8 إلى 9 ]
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 8 ) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ ( 9 )
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً
أي أمرناه أمرا مؤكدا بإيلاء والديه فعلا ذا حسن عظيم
وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما
أي في الشرك ، إذا حملاك عليه . ومعنى
ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
أي لا علم لك بإلهيته . قال القاضي :
عبر عن نفيها بنفي العلم بها ، للإيذان بأن ما لم يعلم صحته ، لا يجوز اتباعه ، وإن لم يعلم بطلانه . فكيف بما علم بطلانه ؟
إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
أي إليّ مرجع من آمن منكم ومن أشرك . فأجازيكم حق جزائكم . فيه التحذير من متابعتهما على الشرك والحث على الثبات والاستقامة في الدين ، بذكر المرجع والوعيد .
وقد روي أن سعد بن أبي وقاص الزهري رضي اللّه عنه حين أسلم ، قالت أمه : يا سعد ! بلغني أنك قد صبأت . فو اللّه ! لا يظلني سقف بيت من الضحّ والريح .
وإن الطعام والشراب عليّ حرام ، حتى تكفر بمحمد وكان أحب ولدها إليها . فأبى سعد . وبقيت ثلاثة أيام كذلك . فجاء سعد إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وشكا إليه . فنزلت هذه الآية ، والتي في لقمان ، والتي في الأحقاف . فأمره رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يداريها ويترضاها بالإحسان
. وروى الترمذي عن سعد « 1 » قال : نزلت فيّ أربع آيات . فذكر قصته وقال : قالت أم سعد : أليس اللّه قد أمرك بالبر ؟ واللّه لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أموت ، أو تكفر . فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها . فنزلت هذه الآية .
قال ابن كثير : وهذا الحديث رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي أيضا .
وقال الترمذي : حسن صحيح
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ
أي في زمرة الراسخين في الصلاح والكمال .
قال الزمخشري : والصلاح من أبلغ صفات المؤمنين ، وهو متمنى أنبياء اللّه .
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في : التفسير ، 29 - سورة العنكبوت ، حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى .