الجزية ، وإن كان ملكه محصورا في فلسطين . وأن اللّه تعالى آتاه حكمة وفهما ذكيا جدا ، وسعة صدر . ففاقت حكمته حكمة جميع أهل المشرق وأهل مصر . وقال ثلاثة آلاف مثل . وتكلم . في الشجر ، من الأرز الذي على لبنان إلى الزوفى التي تخرج في الحائط . وتكلم في البهائم والطير والزحافات والسمك . وأما صرحه وبيته عليه السلام ، فقد جاء وصفه في الفصل الخامس من السفر المتقدم . وأنه أكمل بناءه في ثلاث عشرة سنة . وأنه بنى جازر وبيت حورون السفلى وبعلت وتدمر في أرض البرية . وجاء في الفصل العاشر من هذا السفر أيضا قصة ملكة سبأ ومقدمها من اليمن على سليمان لتخبر حكمته وعظمة ملكه ، ودهشتها مما رأته وتحققته ، وإيمانها بربه تعالى . ثم إعطاؤه إياها بغيتها . ثم انصرافها إلى أرضها .
وقد ذكرنا غير مرة أن القرآن الكريم لا يسوق أنباء ما تقدم سوق مؤرخ ، بل يقصها موجزة ليتحقق أنه مصداق ما بين يديه ، ومهيمن عليه ، ولينبه على أن القصد منها موضع العبرة والحكمة . ومثار التبصر والفطنة .
الثالث - مما استنبط من آيات هذه القصة الجليلة ، أن في قوله تعالى :
فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها
أنه لا بأس بالتبسم والضحك عن التعجب وغيره . وفي قوله تعالى
وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ
استحباب تفقد الملك أحوال رعيته . وأخذ منه بعضهم تفقد الإخوان ، فأنشد :
تفقد الإخوان مستحسن * فمن بداه نعم ما قد بدا
سنّ سليمان لنا سنّة * وكان فيما سنّة مقتدى
تفقّد الطير على ملكه * فقال : ما لي لا أر الهدهدا
وأن في قوله تعالى :
لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً
الآية ، دليلا على أن العذاب على قدر الذنب ، لا على قدر الجسد . وعلى جواز تأديب الحيوانات والبهائم بالضرب عند تقصيرها في المشي وإسراعها ونحو ذلك . وأن في قوله تعالى
فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ
أن الصغير يقول للكبير والتابع للمتبوع : عندي من العلم ما ليس عندك ، إذا تحقق ذلك . وأن في قوله تعالى
قالَ سَنَنْظُرُ أَ صَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ
قبول الوالي عذر رعيته ، ودرءه العقوبة عنهم ، وامتحان صدقهم فيما اعتذروا به . وأن في قوله تعالى
اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ
إرسال الطير بالكتب . وأن في قوله تعالى :
كِتابٌ كَرِيمٌ
استحباب ختم الكتب ، لقول السّدّي : كريم بمعنى مختوم . وأن في قوله تعالى :
قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي