تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 443

مساهمون:

ص٤٤٣
مثابا على ترك ذنوب العالم التي لا تخطر بباله وذلك أضعاف حسناته بما لا يحصى فإن الترك مستصحب معه ، والمتروك لا ينحصر ولا ينضبط ، فهل يثاب على ذلك كله ؟ وهذا مما لا يتوهم . وإذا كانت الحسنة لا بد أن تكون أمرا وجوديا ، فالتائب من الذنوب التي عملها ، قد قارن كل ذنب منها ، ندما عليه ، وكف نفسه عنه ، وعزم على ترك معاودته . وهذه حسنات بلا ريب . وقد محت التوبة أثر الذنب ، وخلفه هذا الندم والعزم ، وهو حسنة ، قد بدلت تلك السيئة حسنة . وهذا معنى قول بعض المفسرين : يجعل مكان السيئة التوبة والحسنة مع التوبة . فإذا كانت كل سيئة من سيئاته قد تاب منها ، فتوبته منها حسنة حلت مكانها . فهذا معنى التبديل . لا أن السيئة نفسها تنقلب حسنة . وقال بعض المفسرين في هذه الآية : يعطيهم بالندم على كل سيئة أساءوها حسنة . وعلى هذا ، فقد زال بحمد اللّه الإشكال . واتضح الصواب . وظهر أن كل واحدة من الطائفتين ما خرجت عن موجب العلم والحجة . وأما حديث أبي ذر ، وإن كان التبديل فيه في حق المصرّ الذي عذب على سيئاته ، فهو يدل بطريق الأولى على حصول التبديل للتائب المقلع النادم على سيئاته . فإن الذنوب التي عذب عليها المصرّ ، لما أزال أثرها بالعقوبة ، بقيت كأن لم تكن ، فأعطاه اللّه مكان كل سيئة منها حسنة ، لأن ما حصل له يوم القيامة من الندم المفرط عليها ، مع العقوبة ، لا يقتضي زوال أثره وتبديلها حسنات . فزوال أثرها بالتوبة النصوح ، أعظم من زوال أثرها بالعقوبة . فإذا بدلت بعد زوالها بالعقوبة ، حسنات ، فلأن تبدل بعد زوالها بالتوبة حسنات ، أولى وأحرى . وتأثير التوبة في هذا المحو والتبديل أقوى من تأثير العقوبة . لأن التوبة فعل اختياريّ أتى به العبد طوعا ومحبة لله وفرقا منه ، وأما العقوبة ، فالتكفير بها من جنس التكفير بالمصائب التي تصيبه بغير اختياره ، بل يفعل اللّه . ولا ريب أن تأثير الأفعال الاختيارية التي يحبها اللّه ويرضاها في محو الذنوب ، أعظم من تأثير المصائب التي تناله بغير اختياره . انتهى كلامه رحمه اللّه . وقوله تعالى :

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 71 ]

وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً ( 71 )
وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً
أي ومن يترك المعاصي ويندم عليها ويدخل في العمل الصالح ، فإنه بذلك تائب إلى اللّه متابا مرضيّا عنده ، مكفرا