تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 372

مساهمون:

ص٣٧٢
أحدها - امتثال أمر اللّه الذي هو غاية سعادة العبد في معاشه ومعاده . وليس للعبد في دنياه وآخرته أنفع من امتثال أوامر ربه تبارك وتعالى . وما سعد من سعد في الدنيا والآخرة ، إلا بامتثال أوامر ربه . وما شقي من شقي في الدنيا والآخرة إلا بتضييع أوامره . الثاني - أنه يمنع من وصول أثر السهم المسموم الذي لعل فيه هلاكه ، إلى قلبه . الثالث - أنه يورث القلب أنسا باللّه وجمعيّة على اللّه ، فإن إطلاق البصر يفرّق القلب ويشتته ويبعده من اللّه ، وليس على العبد شيء أضر من إطلاق البصر . فإنه يوقع الوحشة بين العبد وبين ربه . الرابع - أنه يقوي القلب ويفرحه . كما أن إطلاق البصر يضعفه ويحزنه . الخامس - أنه يكسب القلب نورا . كما أن إطلاقه يكسبه ظلمة ، ولهذا ذكر سبحانه آية النور عقيب الأمر بغض البصر . فقال :
قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ
[ النور : 30 ] ، ثم قال إثر ذلك :
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ النور : 35 ] . أي مثل نوره في قلب عبده المؤمن ، الذي امتثل أوامره واجتنب نواهيه . وإذا استنار القلب أقبلت وفود الخيرات إليه من كل جانب ، كما أنه إذا أظلم أقبلت سحائب البلاء والشر عليه من كل مكان . فما شئت من بدعة وضلالة ، واتباع هوى واجتناب هدى ، وإعراض عن أسباب السعادة ، واشتغال بأسباب الشقاوة . فإن ذلك إنما يكشفه له النور الذي في القلب . فإذا فقد ذلك النور بقي صاحبه كالأعمى الذي يجوس في حنادس الظلام . السادس - أنه يورث الفراسة الصادقة التي يميز بها بين المحق والمبطل والصادق والكاذب . وكان شاه بن شجاع الكرماني يقول : من عمر ظاهره باتّباع السنة ، وباطنه بدوام المراقبة ، وغض بصره عن المحارم ، وكف نفسه عن الشهوات ، واعتاد أكل الحلال - لم تخطئ له فراسة . وكان شجاع هذا لا تخطئ له فراسة ، واللّه سبحانه يجزي العبد على عمله بما هو من جنس عمله . ومن ترك شيئا للّه عوضه خيرا منه ، فإذا غض بصره عن محارم اللّه ، عوضه اللّه بأن يطلق نور بصيرته عوضا عن حبسه بصره للّه . ويفتح له باب العلم والإيمان والمعرفة ، والفراسة الصادقة المصيبة التي ، إنما تنال ببصيرة القلب . وضد هذا مما وصف اللّه به اللوطية من العمة الذي هو ضد البصيرة . فقال تعالى :