تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤
عن المنكر مسبوق بمعرفته ، فمن لا يعلمه لا يمكنه النهي عنه . وقد أوجب اللّه علينا فعل المعروف وترك المنكر . فإن حب الشيء وفعله ، وبغض ذلك وتركه لا يكون إلا بعد العلم بهما ، حتى يصح القصد إلى فعل المعروف وترك المنكر . فإن ذلك مسبوق بعلمه ، فمن لم يعلم الشيء لم يتصور منه حب له ولا بغض ، ولا فعل ولا ترك . لكن فعل الشيء والأمر به يقتضي أن يعلمه علما مفصلا يمكن معه فعله والأمر به إذا أمر به مفصّلا . ولهذا أوجب اللّه على الإنسان معرفة ما أمر به من الواجبات مثل صفة الصلاة والصيام والحج والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . فإذا أمر بأوصاف فلا بد من العلم بثبوتها . فكما أنّا لا نكون مطيعين إذا علمنا عدم الطاعة ، فلا نكون مطيعين إذا لم نعلم وجودها . بل الجهل بوجودها كالعلم بعدمها . وكل منهما معصية . فإن الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل في بيع الأموال الربوية . وأما معرفة ما يتركه وينهى عنه فقد يكتفي بمعرفته في بعض المواضع مجملا . فإن الإنسان يحتاج إلى معرفة المنكر وإنكاره . وقد يحتاج إلى الحجج المبينة لذلك . وإلى الجواب عما يعارض به أصحابها ، وإلى دفع أهوائهم . وذلك يحتاج إلى إرادة جازمة وقدرة على ذلك . ولا يكون ذلك إلا بالصبر ، كما قال تعالى :
وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ
[ العصر : 1 - 3 ] ، وأول ذلك أن تذكر الأقوال والأفعال على وجه الذم لها والنهي عنها . وبيان ما فيها من الفساد . فإن الإنكار بالقلب واللسان ، قبل الإنكار باليد ، وهذه طريقة القرآن فيما يذكره تعالى عن الكفار والعصاة ، كما أن فيما يذكره عن أهل العلم والإيمان على وجه المدح والحب وبيان منفعته والترغيب فيه ، نحو قوله تعالى :
وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا
[ مريم : 88 - 89 ] الآيات . وهذا كثير جدا . فالذي يحب أقوالهم وأفعالهم هو منهم . إما كافر وإما فاجر . وليس منهم من هو بعكسه . ولكن لا يثاب على مجرد عدم ذلك . وإنما يثاب على قصده لترك ذلك وإرادته ، وذلك مسبوق بالعلم بقبح ذلك وبغضه للّه . وهذا العلم والقصد والبغض هو من الإيمان الذي يثاب عليه ، وهو أدنى الإيمان ، كما قال صلى اللّه عليه وسلم « 1 » ( من رأى منكم منكرا ) إلى قوله : ( وذلك أضعف الإيمان ) وتغيير القلب يكون بالبغض لذلك وكراهته ، وذلك لا يكون إلا بعد العلم به وبقبحه . ثم بعد ذلك يكون الإنكار باللسان ثم يكون باليد . والنبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال : ( وذلك أضعف الإيمان )
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في : الإيمان ، حديث 78 ، عن أبي سعيد الخدري .
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 354 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود