تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 353

مساهمون:

ص٣٥٣
الناس من يحب سماعها لما فيه من ذكر العشق وما يتعلق به ، لمحبته لذلك ولرغبته في الفاحشة ، حتى إن منهم من يسمعها النساء لمحبتهم للسوء ، ولا يختارون أن يسمعوا ما في سورة النور من العقوبة والنهي عن ذلك . حتى قال بعض السلف : كل ما حصلته في سورة يوسف أنفقته في سورة النور . وقد قال تعالى :
وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً
[ الإسراء : 82 ] ، وقال :
وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً
[ التوبة : 124 ] الآيات . فكل أحد يحب سماع ذلك لتحريك المحبة المذمومة ، ويبغض سماع ذلك إعراضا عن دفع هذه المحبة ، فهو مذموم ومن هذا ذكر أحوال الكفار والفجار وغير ذلك مما فيه ترغيب في المعصية وصدّ عن سبيل اللّه ، ومنه سماع كلام أهل البدع ، والنظر في كتبهم لمن يضره ذلك ، فهذا الباب تجتمع فيه الشبهات والشهوات . واللّه تعالى ذم هؤلاء في مثل قوله :
يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً
[ الأنعام : 112 ] ، وقوله :
وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ
[ الشعراء : 224 ] . وقوله :
هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ
[ الشعراء : 221 ] ، وما بعدها ، وقوله :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ
[ لقمان : 6 ] ، وقوله
مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِراً تَهْجُرُونَ
[ المؤمنون : 67 ] ، وقوله :
وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا
[ الأعراف : 146 ] ، وقوله :
وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ
[ الأنعام : 116 ] ، ومثل هذا كثير في القرآن ، فأهل المعاصي كثير في العالم ، بل هم أكثر ، كما قال تعالى :
وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
[ التوبة : 67 ] الآية ، وفي النفوس من الشبهات المذمومة والشهوات قولا وعملا ما يعلمه إلا اللّه ، وأهلها يدعون الناس إليها ويقهرون من يعصيهم ، ويزينونها لمن يطيعهم . فهم أعداء الرسل وأندادهم . فالرسل يدعون إلى الطاعة بالرغبة والرهبة . ويجاهدونهم عليها . وينهون عن المعاصي ويحذرون منها بالرغبة والرهبة . ويجاهدون من يفعلها . قال تعالى :
الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ، يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ
[ التوبة : 67 ] الآية . ثم قال :
وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ
[ التوبة : 71 ] الآية ، وقوله تعالى :
الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ
[ النساء : 76 ] ، ومثل هذا في القرآن كثير واللّه سبحانه قد أمرنا بالأمر والنهي عن المنكر . والأمر بالشيء مسبوق بمعرفته ، فمن لا يعلم المعروف لا يمكنه الأمر بالمعروف . والنهي
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 353 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود