تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 320

مساهمون:

ص٣٢٠
الإخراج من بينهم ، لأنه مضرة بلا مصلحة . فإن الصبيّ إذا رأى صبيا يفعل شيئا تشبه به . والاجتماع بالزناة واللوطية : فيه أعظم الفساد والضرر على الرجال والنساء والصبيان . فيجب أن يعقب اللوطيّ والزاني بما فيه تقريعه وإبعاده . وجماع الهجرة هي هجرة السيئات وأهلها . وكذلك هجران الدعاء إلى البدع وهجران الفساق وهجران من يخالط هؤلاء كلهم ويعاونهم . وكذلك من يترك الجهاد الذي لا مصلحة لهم بدونه فإنه يعاقب بهجرهم له ، لما لم يخالطهم في البر . فمن لم يهجر هؤلاء كان تاركا للمأمور فاعلا للمحذور . فهذا ترك المأمور من الاجتماع . وهذا فعل المحذور منه . فعوقب كل منهما بما يناسب جرمه . وما جاءت به الشريعة من المأمورات والعقوبات والكفارات وغير ذلك ، يفعل بحسب الاستطاعة . فإن لم يقدر المسلم على جهاد جميع المشركين ، جاهد من يقدر على جهاده . وإذا لم يقدر على عقوبة جميع المعتدين ، عاقب من يقدر على عقوبته . فإذا لم يكن النفي والحبس عن جميع الناس ، كان النفي والحبس على حسب القدرة . ويكون هو المأمور به ، فالقليل من الخير ، خير من تركه . ودفع بعض الشر خير من تركه كله . وكذلك المتشبهة بالرجال تحبس ، كحالها إذا زنت فإن جنس الحبس مما شرع في جنس الفاحشة . وممّا يدخل في هذا : أن عمر نفى نصر ابن حجاج من المدينة إلى البصرة ، لما شبب به النساء . وكان أولا قد أمر بأخذ شعره ليزيل جماله الفاتن ، فلما رآه من أحسن الناس وجنتين ، غمه ذلك فنفاه إلى البصرة . فهذا لم يصدر منه ذنب يعاقب عليه ، لكن كان في النساء من يفتتن به ، فأمر بإزالة جماله الفاتن . فإن انتقاله من وطنه مما يضعف همته وبدنه ويعلم أنه معاقب . وهذا من باب التفريق بين الذين يخاف عليهم الفاحشة والعشق قبل وقوعه . وليس من باب المعاقبة . وقد كان عمر ينفي في الخمر إلى خيبر ، زيادة في عقوبة شاربها . ومن أقوى ما يهيج الفاحشة . إنشاد أشعار الذين في قلوبهم مرض من العشق ومحبة الفواحش ، وإن كان القلب في عافية ، جعل فيه مرضا ، كما قال بعض السلف : الغناء رقية الزنى . ورقية الحية هي التي تستخرج بها الحية من جحرها . وقية العين والحمة ورقية الزنى . أي تدعو إليه وتخرج من الرجل الأمر الخبيث . كما أن الخمر أم الخبائث . قال ابن مسعود : الغناء ينبت النفاق في القلب ، كما ينبت الماء البقل . وقال تعالى :
وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ
[ الإسراء : 64 ] ، واستفزازه إياهم بصوته يكون بالغناء ، كما قاله من قاله من السلف ، وبغيره من الأصوات كالنياحة وغير ذلك . فإن هذه الأصوات توجب انزعاج القلوب والنفوس الخبيثة إلى ذلك ، وتوجب حركتها