تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
أحسني لا ملومة ) وهذا رد عليهم في دعائهم إلى طرد الفقراء المؤمنين ليجالسوه ويتبعوه . فقيل لهم : إيمانكم إنما يعود نفعه عليكم ، فلا نبالي به حتى نطردهم لذلك ، بعد ما تبين الحق وظهر . وقوله تعالى :
إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً
وعيد شديد ، وتأكيد للتهديد وتعليل لما يفيده من الزجر عن الكفر . أو لما يفهم من ظاهر التخيير ، من عدم المبالاة بكفرهم وقلة الاهتمام بزجرهم عنه . فإن إعداد جزائه من دواعي الإملاء والإمهال . وعلى الوجه الأول ، هو تعليل للأمر بما ذكر من التخيير التهديدي . أي قل لهم ذلك
إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ
أي هيأنا للكافرين بالحق ، بعد ما جاء من اللّه سبحانه . والتعبير عنه ب ( الظالمين ) للتنبيه على أن مشيئة الكفر واختياره ، تجاوز عن الحد ووضع للشيء في غير موضعه . أفاده أبو السعود . وقوله تعالى :
أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها
أي فسطاطها . وهي الخيمة . شبه به ما يحيط بهم من النار . فإن انتشار لهب النار في الجهات شبيه بالسرادق . ويطلق السرادق على الحظيرة حول الفسطاط للمنع من الوصول إليه . شبه ما يحيط بهم من جهنم ، بها . يقال بيت مسردق ، ذو سرادق
وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا
أي من الظمأ لاحتراق أفئدتهم
يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ
أي كالحديد المذاب وكعكر الزيت ، وقال القاشانيّ : من جنس الغسّاق والغسلين ، أي المياه المتعفنة التي تسيل من أبدان أهل النار ، مسودّة يغاثون بها . أو غسالاتهم القذرة ويؤيده قوله تعالى
وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ
[ إبراهيم : 17 ] ،
يَشْوِي الْوُجُوهَ
أي إذا قدم إليه ليشرب ، من فرط حرارته .
وَساءَتْ
أي النار
مُرْتَفَقاً
أي متكأ . وأصل الارتفاق نصب المرفق تحت الخد . وذكره لمشاكلة قوله :
وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً
وإلا فلا ارتفاق لأهل النار ولا اتكاء . وقد يكون تهكما ، كقوله .
إني أرقت فبتّ الليل مرتفقا * كأن عيني فيها الصّاب مذبوح
والصاب : شجر مرّ يحرق ماؤه العين . ومذبوح : مشقوق . وفي كتاب ( تنزيل الآيات ) في الصحاح : بات فلان مرتفقا ، أي متكئا على مرفق يده . وهو هيئة المتحزنين المتحسّرين . فعلى هذا لا يكون من المشاكلة ولا للتهكم ، بل هو على حقيقته . كما يكون للتنعّم يكون للتحزن . وتعقبه في ( العناية ) فقال : وأما وضع اليد تحت الخدّ للتحزن والتحسر ، فالظاهر أن العذاب يشغلهم عنه . فلا يتأتى منهم حتى يكون هذا حقيقة لا مشاكلة ، فلذا لم يعرّجوا عليه . ثم علل الحث على الإيمان المفهوم من التخيير المتقدم ، بقوله سبحانه :